فرنسا ماكرون تضطلع بدور جديد في الشرق الأوسط

ياسمين الجمال

في 23 أبريل، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى واشنطن العاصمة في أول زيارة رسمية له للولايات المتحدة، حاملاً جدول أعمال طموح، شأنه في ذلك شأن دونالد ترامب، حيث يشمل خطة لتعزيز شراكة متجددة مع الولايات المتحدة ترتكز على العلاقة الشخصية التي تربطه بالرئيس الأمريكي، وإقناع ترامب بعدم إلغاء الاتفاق النووي الإيراني. وإذا كان المسعى الأول قريب المنال – حيث إن ترامب يحبذ أن يتودد إليه الآخرون، ويستجيب يشكل إيجابي للمبادرات الودية من قادة العالم – فإن المسعى الثاني يبدو أكثر صعوبة. وفيما يزال من غير المؤكد ما إذا كان ماكرون قادراً على تقديم رؤية تخص إيران (وربما المنطقة بأكملها) يمكن أن تحظى بقبول ترامب ومعسكره المتشبث بفكرة “أمريكا أولاً”، فإنه قد بات من الواضح أن الرئيس الفرنسي عازم على تمكين بلاده من لعب دور أكثر أهمية في الشرق الأوسط.

لقد تصاعد التوتر بشكل تدريجي في هذه المنطقة التي تعج بالصراعات والنزاعات على السلطة. فولي العهد السعودي الجديد قد صعّد من حدة التنافس مع إيران وفرض رفقة الإمارات والبحرين ومصر حصاراً سياسياً ودبلوماسياً على دولة قطر. كما أن سوريا باتت مسرحاً للتنافسات الإقليمية، حيث اقتربت إيران وإسرائيل أكثر من أي وقت سابق من الدخول في مواجهة مباشرة في ظل أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. من جهة أخرى، تعيش كل من اليمن وليبيا ظروفاً سياسية واقتصادية واجتماعية كارثية. وفي لبنان، يتابع الفاعلون الإقليميون والدوليون بقلق تزايد هيمنة “حزب الله” المتجلية في دوره وتحركاته.

ومنذ توليه منصب الرئاسة، عزز ماكرون دور فرنسا في الشرق الأوسط. فعلى عكس سلفه فرانسوا هولاند الذي تبنى في معظم الأحيان سياسة عدم التدخل، إلا حين أوشك على التدخل في سوريا عقب تجاوز بشار الأسد لأحد “الخطوط الحمراء” التي وضعها الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، يبدو أن تصرفات ماكرون حتى هذه اللحظة توحي برغبة أكبر في التدخل في المنطقة، بدءاً بتدخله من أجل “إنقاذ” رئيس الوزراء اللبناني سعد الحرير من المأزق الذي وضعه فيه المخطط الترهيبي السعودي، مروراً بدعوته الصريحة لضرب سوريا عقب هجوم الأسد المزعوم بالأسلحة الكيميائية، ووصولاً إلى جهوده الحثيثة لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني من الزوال على يد الولايات المتحدة.

ففيما يتعلق بلبنان، تحرك ماكرون بشكل سريع وحاسم في أواخر السنة الماضية لنزع فتيل التوتر مع السعودية بعد أن استدعت هذه الأخيرة الحريري للرياض، حيث زُعم أنها أجبرته على تقديم استقالته على التلفزيون الوطني (وهو القرار الذي تم التراجع عنه بعد الاجتماع بماكرون في باريس). وفي خضم حملة دبلوماسية نشيطة، قام ماكرون بزيارة غير مخطط لها للرياض بهدف مناقشة هذه القضية، تلاها اجتماع بين الحريري ووزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في السعودية، وزيارة الحريري لباريس حيث تراجع عن استقالته.

أما في سوريا، فقد كان ماكرون مؤيداً علنياً للضربات العقابية، حيث صرح بوضوح أن فرنسا قد حصلت على أدلة بأن الأسد قد استخدم أسلحة كيميائية وأن هذا الأمر يعد تجاوزاً للخطوط الحمراء الفرنسية. بل إن ماكرون الذي قال في فصل الصيف الماضي إنه: “عندما تضع خطوطاً حمراء، إذا لم تعرف كيف تضمن احترامها، فأنت تختار أن تكون ضعيفاً”، قد وصل به الأمر إلى التلميح إلى أن فرنسا ستنفذ ضرباتها الخاصة في حال غياب أي رد أمريكي، وهو ما يتناقض مع جمود هولاند عقب قرار أوباما بالامتناع عن القيام بضربات أمريكية في آخر لحظة سنة 2013. وعقب الضربة، أوضح ماكرون أنه يعارض قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية الباقية في سوريا بعد الهزيمة (المادية) التي لحقت بتنظيم “داعش”، بحجة أن استمرار التواجد العسكري في المنطقة أمر ضروري لضمان عدم استجماع الإرهابيين لقِواهم ومن أجل العمل كقوة واحدة في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وأخيراً، فيما يتعلق بإيران، ستقوم الولايات المتحدة وأوروبا، بموجب اقتراح من ماكرون، بالاستجابة للمخاوف المتعلقة بالنشاط النووي الإيراني بعد سنة 2025، والتعامل مع برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وعلى مستوى أكثر استراتيجية، سيعمل الحليفان على وضع شروط لحل سياسي من أجل احتواء طموحات إيران وأنشطتها في كل من اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

أما بخصوص سوريا ولبنان، يمكن القول إن ماكرون قد حقق ما كان يسعى إليه، وهو وضع خط أحمر فرنسي بشأن استعمال الأسلحة الكيميائية من طرف الأسد، وإحياء الدعم التقليدي الفرنسي للزعماء اللبنانيين من ذوي الميولات الغربية. أما على الجبهة الإيرانية، فلا تزال جدوى دفاع ماكرون عن الاتفاق النووي غير واضحة حتى الآن. لكن نظراً للأسلوب الهادف والعملي الذي يتبناه الرئيس الفرنسي في القيادة، فإن “الصحبة” المتنامية بين ترامب وماكرون، وموقف الأخير القوي من الحاجة لمنع سباق تسلح نووي في المنطقة، يمكن للمرء تصور طريق نحو المساومة في المستقبل القريب.

لقد أثبت ماكرون أنه رجل أفعال، مصرحاً بأنه “في كل قضية، أفعل ما أقوله، وهذا أمر جديد”. فحتى عندما ستصل اللحظة المحتومة التي سيكتشف فيها ماكرون حدود قدراته الإقناعية الشخصية، يمكن أن يصبح تفكيره الاستراتيجي ورغبته في إقامة علاقة أوثق مع الولايات المتحدة وسيلتين فعالتين لموازنة استجابات ترامب العاطفية والتكتيكية في الأزمات. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، قد يؤدي هذا النوع الجديد من التحالف الفرنسي-الأمريكي إلى تطورات إيجابية على عدة جبهات. أما الأسئلة المطروحة فهي تتعلق بما إذا كان تفكير ماكرون الاستراتيجي سيتحول إلى استراتيجية عبر-أطلسية متناسقة للمنطقة، وكيف سيكون الدور الفرنسي في تلك الاستراتيجية. الأمر الواضح في الوقت الراهن هو أنه سواء اضطلعت بدور ثانوي أو رئيسي، فإن فرنسا ماكرون لن تكتفي بالجلوس مكتوفة اليدين.

AFP PHOTO/POOL/LUDOVIC MARIN