اختيار ما ترتديه المرأة من ثياب اختيارٌ يعود للمرأة فقط

ريم تينا غزال

إن الملابس تكتسي أهمية كبيرة، فالناس يحكمون عليك انطلاقاً مما ترتديه من ثياب، والأدهى من ذلك هو أن تصوراتنا عن أنفسنا هي كذلك تتمحور حول خيارات متعلقة باللباس، ويرجع ذلك للموضة والتوقعات الاجتماعية وما إلى ذلك. ولكن إذا كان الاهتمام بالمظهر أمراً طبيعياً جداً، فإن الهوس بالملابس النسائية يعكس قضايا اجتماعية أكبر وأعمق تتعلق بالهوية والتحكم. وقد أدت الضجة التي أثارتها تعليقات عالم دين سعودي معروف في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي جاء فيها أنه ليس من اللازم على المرأة المسلمة ارتداء العباءة، إلى إدراك المرأة المسلمة على وجه الخصوص لهذه المسألة.

كوني امرأة نشأت وأنا أرتدي العباءة والحجاب في السعودية، فإني كنت أحس بـ”الأمان”، وبنوع من الحماية من الأعين المتطفلة للرجال الذين طغت عليهم الشهوة. بيد أنه، وكما يعلم الجميع، فإن عدة شهادات شخصية قد أكدت لنا أنه رغم كوننا نرتدي ملابس تغطينا بالكامل، فهذا لا يحمينا بالضرورة من الاهتمام غير المرغوب فيه.

سواء تعلق الأمر بالحجاب أو النقاب أو العباءة، وباعتباري صحفية تعمل في العالم الإسلامي، فإني قد كتبت في كثير من الأحيان عن كيفية اختيار المرأة للباسها – أو عما يُتوقع منها أن ترتديه – وفي كل مرة كانت تتم مشاطرة الآراء والحقائق الواردة في هذه المقالات ومناقشتها على نطاق واسع. لذلك لم أفاجأ عندما أشعل الشيخ عبد الله المطلق، وهو عضو في هيئة كبار العلماء بالسعودية، جدلاً كبيراً على الإنترنت حين طرح قضية ذات أهمية ثقافية واجتماعية، حيث قال إن “أكثر من 90% من المسلمات الملتزمات في العالم الإسلامي ليس عليهن عباءات”، مضيفاً “لهذا ما نلزم الناس بالعباءات.”

ويأتي هذا التعليق في سياق التحركات الواسعة لعصرنة المجتمع السعودي، والتي تشمل كل الجوانب من الخصخصة الاقتصادية إلى قضايا النوع الاجتماعي. وتشمل هذه الأخيرة تخفيف الحظر المفروض على قيادة النساء للعربات والذي لاقى دعاية كبيرة، والسماح للنساء بإنشاء شركات بصورة مستقلة، والآن على ما يبدو هناك اقتراحات حول العباءة التي يفرضها القانون على المرأة السعودية والزائرات والمقيمات بالمملكة، الأمر الذي ربما يكون أكثر إثارة للجدل.

غير أنه حتى الشخصيات الدينية ذات النفوذ لا تسلم من الغضب الذي تثيره هذه المواضيع لدى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. فسرعان ما انتشر نقاش واسع النطاق عبر الانترنت حول قضايا متعلقة بحرية الاختيار وطمس الهوية والدين والثقافة.

وبعدما وجد نفسه تحت نيران وسائل التواصل الاجتماعي، سارع الشيخ المطلق، المعروف بتعاليقه الذكية، إلى التوضيح بأنه لم يدع النساء السعوديات إلى خلع العباءة، لكنه قال أن تعليقه كان “موجهاً لجميع أخواتنا المسلمات”. وقد أورد عالم الدين في توضيحه أنه “يدعو النساء إلى ارتداء ملابس محتشمة”، وهو ما يبدو أنه قد أخمد الغضب الذي أثارته تعليقاته داخلياً.

بيد أن إلزامية ارتداء العباءة في السعودية ليس بتلك البساطة التي عادة ما تصفها بها الصحافة الغربية. حيث إن الانتقاد الذي تعرض له الشيخ عبد الله المطلق لم يكن من رجال ونساء محافظين فحسب، فبعض المعلقين قالوا بأنه إذا توقفت نساء الخليج عن ارتداء العباءات والحجاب، سيبدين “كغيرهن من النساء العربيات” وسيفقدن الامتياز والهيبة الاجتماعي المرتبطان بتغطية جسدهن بالكامل.

ومن المفارقات أن هناك تماثل بين المخاوف السعودية المتعلقة بالملابس وتلك المعبر عنها في لبنان، التي تعد على نطاق واسع إحدى الدول العربية الأكثر تحرراً، حيث ترتدي أغلبية نسائها ملابس غربية وحتى فاضحة، تعبر عن “تحررهن”، وهو المصطلح الذي يبدو أن المثقفين الغربيين يحبذون استعماله على وجه الخصوص.

لكن تحت السطح هناك قضايا متشابهة تتعلق بالمكانة الاجتماعية والسعي وراء نيل استحسان الرجال. وإذا ما تعمقنا في المسألة، نجد أن العديد من التقارير قد أشارت إلى الضغوط التي تعاني منها المرأة اللبنانية من أجل الظهور بمظهر “مثالي” (أيا كان المقصود من ذلك) من أجل الرجل الذي يوجد في حياتها، ما يرغمها على تتبع آخر صيحات الموضة ليس من أجل أنفسهن، بل من أجل تلبية توقعات شخص آخر.

صحيح أن هناك عدة جوانب للنقاش، غير أنه من غير الممكن تجاهل حقيقة أن اختيار النساء للملابس يتداخل بشكل كبير مع قضايا النوع الاجتماعي. فقد قامت “الدراسة الاستقصائية الدولية بشأن الرجال والمساواة بين الجنسين” التي أجريت السنة الماضية بالبحث في مسألة ما يعني أن تكون رجلاً في أربع دول، وهي مصر ولبنان والمغرب وفلسطين. وقد أيد غالبية الرجال المشاركين في الدراسة “مجموعة كبيرة من المواقف التقليدية والمجحفة”. فقرابة 90 بالمائة منهم “يتوقعون التحكم في الحريات الشخصية لزوجاتهم، بدءاً من الملابس التي يرتدينها وحتى الأماكن التي يرتدنها.”

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الأحاسيس ليس حكراً على الشرق الأوسط، حيث تعج تقارير وسائل الإعلام الغربية بالتعقيبات حول ما ترتديه الشخصيات النسائية العامة بدءاً من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحتى السيدة الأولى ميلانيا ترامب، كما أن ملابس الملكة إليزابيث جذبت اهتماماً كبيراً في عرض للأزياء أقيم مؤخراً. هذا التدقيق الشديد في المظاهر لا يتعرض له الرجال – إلا إذا استثنينا تصفيفة شعر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

إن الجدل الذي أحاط بتعليقات الشيخ المطلق يكشف عن مدى تعدد أوجه هذه القضية في الواقع، ففي حين سيسارع مراقبون أجانب إلى وضع افتراضات بشأن فرض السعودية للتعاليم الدينية الصارمة فيما يخص لباس المرأة، يوضح عالم الدين أنه بينما يعتقد أن النساء المسلمات يجب أن يرتدين ملابس “محتشمة”، فإنه لا يرى ضرورة لوجود زي إلزامي واحد يتمثل في العباءة أو النقاب.

ونظراً للتشابك الكبير الحاصل بين الثقافة والدين، فإن مثل هذه القضايا تتجاوز التفسيرات السطحية. صحيح أنه في غالبية المجتمعات، يعير الرجال، وحتى النساء في كثير من الأحيان، اهتماماً كبيراً بطريقة لباس المرأة، وهو الأمر الذي قد يرجع أحياناً لأهواء الرجال أو لرغبةٍ في التحكم أو لمجرد الانتقاد والثرثرة، لكن رفض اختيارات المرأة وتقييد قدرتها على الاختيار دون أي اكتراث لمن تكون هذه المرأة نفسياً ووجدانياً ينم عن نظرة ضيقة الأفق. فهل يمكن اختزالكِ فيما ترتدينِ؟ سؤال للتفكير والتأمل.

AFP PHOTO, SABAH ARAR