في خطوات سريعة يمضي ابي احمد الزعيم الشاب لكبرى دول شرق افريقيا في عملية البناء محققا إصلاحات هائلة في غضون أسابيع ويعيد تشكيل العلاقات مع المنطقة والشرق الأوسط. فقبل بضعة أشهر فقط، لم يكن أبي معروفًا حتى في إثيوبيا غير ان ثلاثة سنوات من الاحتجاجات ضد سياسة مصادرة الأراضي التي تنتهجها الحكومة والركود الاقتصادي والحقوق السياسية أسفرت عن استقالة هايليماريام ديسالن بشكل مفاجئ في فبراير بعدما أمضي ستة سنوات في السلطة. ووقع اختيار الحزب الحاكم على ابي البالغ من العمر 42 عام لرئاسة الوزراء كونه يتسم برباطة الجأش ويسعى إلى إجراء إصلاحات جادة.
فبعد مضي شهرين فقط على توليه السلطة فوجئ الجميع حتى مؤيدوه بحجم وسرعة إصلاحاته. ففي غضون أيام من توليه رئاسة الوزراء أفرج عن الاف المسجونين ومنهم سجناء سياسيين وطالب أحزاب المعارضة في المنفى بالعودة الى الوطن. وضغط من اجل رفع حالة الطوارئ التي كانت موجودة منذ ما يقرب من عامين وأقال كبار الشخصيات من موظفي الاستخبارات والعسكريين، وهما عنصران قويان في الدولة العميقة. كما تعهد بخصخصة شركتي الخطوط الجوية الوطنية والاتصالات وتحرير الاقتصاد، الذي تديره الدولة، نحو الانفتاح الاقتصادي.
هذا فيما يخص الدولة. وعلى الصعيد الدولي زار أبي ستة بلدان أجنبية، منها أربعة دول عربية. وكانت المملكة العربية السعودية هي اول دولة قصدها، حيث وافق الملك سلمان على الافراج عما يقرب من ألف إثيوبي من سجون المملكة. ثم توجه ابي الى الامارات العربية المتحدة حيث التقى بولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد. وغرد رئيس أركان ابي على تويتر ان الشيخ محمد وافق على إطلاق سراح جميع السجناء الإثيوبيين في الإمارات.
غير ان زيارته الرسمية لمصر في 11 يونيو كانت الأكثر أهمية حيث ركزت المباحثات في القاهرة على حلحلة اعتراضات مصر على بناء سد النهضة الذي سيصبح عند الانتهاء منه أضخم السدود المستخدمة في توليد الطاقة الكهرومائية في افريقيا والذي تتخوف القاهرة من تأثيره على تخفيض حصتها من مياه النيل. واستمرت التوترات حول السد لسنوات مما أثار مخاوف من نشوب صراع عسكري. ولكن الأسبوع الماضي لاحت بوادر انفراجه في الازمة من خلال اللقاء الذي جمع ابي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
ويمثل سد النهضة جزءاً محورياً من استراتيجية التنمية في إثيوبيا حيث انه بمجرد اكتماله، سوف يوفر الطاقة الكافية للبلد بأكمله، مع وجود فائض للتصدير. كما يمثل السد جزءا من السياسة الخارجية للدولة التي تصدر الكهرباء في الوقت الحالي للسودان وجيبوتي. وتعتزم إثيوبيا التصدير إلى جنوب السودان، والصومال، وكينيا، وحتى تنزانيا، التي لا تربطها بها حدود مما ينعكس على توطيد العلاقات بجيرانها.
وتعتبر اريتريا -التي لا تربطها علاقات طيبة بأديس أبابا-هي الاستثناء من دبلوماسية الكهرباء في إثيوبيا. ويقول أبي إنه سوف يعقد اتفاقية سلام شاملة، من شانها ان تضع حدا للصراع المتأجج منذ أمد طويل.
هذه الإصلاحات يمكن أن يكون لها آثار بعيدة المدى. فعبر العقد السابق سجلت إثيوبيا واحدة من أسرع الاقتصادات نموا في العالم، وأسرعها في أفريقيا. فإذا كانت الحكومة ملتزمة حقًا بتحرير الاقتصاد والتخلي عن النموذج التدخلي الذي اتبعته لعقود، فبالطبع سوف ينمو الاقتصاد بشكل أسرع.
وعلى وجه الخصوص، تحتاج إثيوبيا للاستثمار الأجنبي. فعلى الرغم من أن إثيوبيا قد استفادت من مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تمولها الشركات الصينية، إلا أن هناك القليل من استثمارات القطاع الخاص، ولم يحقق اصدار سندات مشروع سد النهضة الرائد نجاحا في اجتذاب الكثير من الاهتمام. فالاقتصاد الحر هو تغيير جذري حقيقي.
السلام مع اريتريا سوف يوفر مدخلا للدولة غير الساحلية الى البحر الأحمر-وقد تم افتتاح خط سكة حديد يمتد الى جيبوتي في يناير، ولكن اثيوبيا لديها حدود أطول بكثير مع إريتريا. أضف الى ذلك سوف يترتب على إقرار عملية السلام حرمان حكومة إريتريا من مبررات الخدمة العسكرية الإجبارية التي دفعت عشرات الآلاف إلى الهروب إلى الخارج-ويموت المهاجرون من إريتريا ابان سعيهم لعبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا أو خليج عدن إلى اليمن ودول الخليج العربي. وتساعد العلاقات مع دول الخليج على تحسين اوضاع عشرات الآلاف من الإثيوبيين الذين يعملون هناك
استفزت خطا ابي السريعة بعضهم. فابي الذي ينحدر من اب مسلم في بلد تغلب عليه الديانة المسيحية لم يتضح بعد مدى دعمه في الحزب الحاكم حيث انه يعول على عناصر من المؤسسة العسكرية والأمنية بالإضافة إلى نخبة رجال الأعمال.
ويرتكز استمرار ابي في منصبه على ثلاثة عناصر: كونه ممثلا لأكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا، الأورومو، الذين لم يسبق ان خرج من بينهم رئيسا لوزراء، علاقته بالدول الأجنبية في شرق افريقيا والدول العربية ذات الثقل كمصر والمملكة العربية السعودية، والانطباع العام لدى الشعب الذي يظهره على انه مصلح.
وبكل تأكيد، فقد لعب العمل على إطلاق سراح الكثير من الاثيوبيين المسجونين بالخارج على أوتار العامة – وادراكا منه لأبعاد الموقف حرص ابي على اصطحاب السجناء السابقين بمصر الى ارض الوطن على متن طائرته الرئاسية.
فلو انه مضي قدما في تلك الإصلاحات الجريئة سوف يترتب على ذلك استشعار التغيير ليس فقط في دول شرق افريقيا وانما ابعد من ذلك في مصر ودول الخليج. المشكلة الوحيدة هي أنه حتى الان لم يتم قطع شوطا كافيا من هذه الإصلاحات -المعقدة ولكنها ضرورية والتي تأخرت كثيرا وطالما طال انتظارها والتي كان ينبغي خوضُها منذ فترة طويلة. ويتعجل الاثيوبيون واغلبهم من الشباب التغيير كما يتضح من الاحتجاجات. ولكن ابي، الذي يتحرك بسرعة فائقة، ربما ما زال يتحرك ببطء شديد من وجهة نظر أكبر سكان شرق أفريقيا وأكثرهم اضطرابا.
AFPPHOTO/Zacharias Abubeker