كما جرت العادة خلال الزيارات الرسمية التي يجريها قادة الدول، فإن العمل الفعلي يتم خلف الكواليس. الأسبوع الماضي كان ولي العهد السعودي في زيارة إلى لندن وسيتوجه إلى واشنطن ليقضي فيها أربعة أيام الأسبوع المقبل. وبطبيعة الحال، كانت الابتسامات في الموعد أمام عدسات الكاميرات على شارع “داوننغ ستريت” في لندن وولي العهد برفقة رئيسة الوزراء البريطانية، لكن العمل الحقيقي كان قد تم وراء أبواب مغلقة في اجتماعات مع مسؤولين سياسيين وعسكريين.
وسيتكرر الأمر ذاته في واشنطن، حيث ستكون الابتسامات حاضرةً مرة أخرى أمام الكاميرات وولي العهد برفقة دونالد ترامب، ولكن الأيام الثلاثة التي ستتخللها اجتماعات مع المسؤولين بعيداً عن الأضواء ستكون هي الأكثر إثارة للاهتمام. إذ سيسعى المسؤولون الأمريكيون لفهم شخصية محمد بن سلمان بصفته الرجل الذي وضع بصمته على إصلاحات هي الأعمق والأوسع من نوعها في المملكة العربية السعودية منذ عقود. فخلال مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” قُبيل رحلته إلى القاهرة بداية هذا الشهر، وصف الأمير محمد إصلاحاته بأنها صدمة ضرورية للمملكة. وها هي النخبة السياسية والعسكرية الأمريكية سيتسنى لها الآن أن تقترب من الرجل الذي يقف وراء هذه التوجهات.
ويُعد السياق التاريخي ضرورياً لشرح مدى استثنائية تسلُّم الأمير محمد بن سلمان لمنصب ولي العهد. فوراثة العرش في السعودية مسألة تستغرق وقتاً طويلاً، ولا يشغل أولياء العهد مناصبهم عادة إلا بعد تأديتهم لمهام أخرى أولاً.
فقد شغل الملك سلمان، العاهل السعودي الحالي، منصب أمير العاصمة الرياض لما يقارب نصف قرن قبل أن يتم تعيينه ولياً للعهد. كما أن سلفه الملك عبد الله كان نائب رئيس مجلس الوزراء لمدة سبع سنوات قبل أن يصبح ولياً للعهد. بالمقابل فإن الأمير محمد لم يشغل منصب وزير الدفاع سوى لمدة سنتين قبل أن يتم تعيينه ولياً للعهد.
أضف إلى ذلك أن محمد بن سلمان لا يزال شاباً في سن الثانية والثلاثين، في حين أن عامل السن يُعتبر ذي أهمية بالغة ضمن النظام السياسي السعودي. فالأمير محمد هو أصغر ولي عهد سناً عرفته المملكة منذ عقود، حيث إن أغلب أسلافه لم يتسلموا هذا المنصب إلى أن بلغوا سن الخمسين فما فوق. ولكن إذا كان صغر سنه هذا يُعد نوعاً من الاستثناء على مستوى القيادة السعودية، فإنه ليس كذلك بالنسبة للمواطنين السعوديين.
إن التركيبة الديمغرافية السعودية هي دليلنا لفهم التوجهات المستقبلية للمملكة، إذ تُعد البلاد من بين أكثر المناطق شباباً في العالم، كما هو حال منطقة الخليج برمتها؛ حيث إن نسبة 70 بالمائة من الساكنة السعودية لا تتجاوز سن الثلاثين، أي أن الشباب السعودي يشكل أغلبية صريحة، وهو يقاوم القيود التي خلفتها الأجيال السابقة.
ويرى هذا الجيل الجديد في الأمير محمد شخصاً يفهمهم، فخلال انعقاد مؤتمر استثماري رفيع المستوى في أكتوبر الماضي بالرياض حضرته شخصيات دولية بارزة، وأُطلق عليه لقب “دافوس الصحراء”، صرح الأمير محمد بأن السعودية قد تغيرت، وقال إن “سبعين بالمائة من السعوديين لا يتجاوزون سن الثلاثين، ولن نسمح للثلاثين بالمائة الأخرى أن تعيقهم”.
إن التغييرات التي يشرف عليها الأمير محمد تشمل نطاقات واسعة، ولكن ما يجمع بينها هو قناعته بأن إرساء الاستقرار في المملكة يتطلب مواجهة ما يعتبره قوىً خبيثة. وتُعد الحملة اللافتة التي شنَّها ولي العهد ضد الفساد، إلى جانب خطوات لرفع الدعم عن الماء والوقود والكهرباء، من ضمن محاولاتٍ لوقف تدفق الأموال من خزينة الدولة، كما أن جلب الاستثمار الخارجي وإنشاء المنطقة الصناعية الضخمة المسماة “نيوم”، بالإضافة إلى بيع جزء من شركة “أرامكو” السعودية، كلها قرارات هادفة إلى جلب مصادر دخل جديدة وخلق فرص عمل.
وقد تناولت أهم هذه التغييرات سياسة البلاد الخارجية، وإذا وجب وصف تأثير الأمير محمد على هذه الأخيرة بعبارة واحدة فستكون “تأثير عظيم”، إذ تُعد سياسته الخارجية محاولة لمواجهة التهديدات في الخارج قبل أن تتسرب تداعياتها إلى داخل البلاد، ويمكن رصد مدى تأثيره من خلال الكيفية الصريحة والمباشرة التي صار يتعامل بها الملك سلمان مع قضايا خارجية معقدة كانت المملكة تفضل منذ عقود التعاطي معها من وراء الكواليس. ولكن المسار لم يكن سهلاً أمام هذا التحول: فالحرب المريرة في اليمن قد بلغت طريقاً مسدوداً؛ والنزاع مع قطر الذي توقع الكثيرون أن يتم حلُّه في غضون أسابيع قد استمر لشهور.
أما النقطة التي يتخذ بشأنها الأمير محمد موقفاً استثنائياً لافتاً فهي تلك المتعلقة بالملف الإيراني. فجُل دول الخليج، بالإضافة إلى العديد من الدول العربية خارج المنطقة، تبغض النفوذ الإيراني في كافة أنحاء الشرق الأوسط، ولكن الأمير كان أول من هدد علنياً بزعزعة استقرار إيران، حيث قال في حوار على قناة “إم بي سي” السعودية العام الماضي “لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية”، وأضاف “بل نعمل على أن تكون المعركة لديهم في إيران”. إن هذه السياسة، إذا تم تطبيقها، ستكون سياسة شبيهة بتلك التي سعت إيران سلفاً إلى الدفع بها في عدة دول عربية، ومع ذلك لم يسبق لأي زعيم عربي أن وجه تهديدات صريحة على هذا النحو بنقل المعركة إلى داخل البيت الإيراني.
إن كل هذه التغييرات هي محط مراقبة دقيقة من طرف واشنطن ولندن. فقد أدت الحرب في اليمن إلى تعريض الحكومة البريطانية لانتقادات مباشرة، كما أن واشنطن تكابد من أجل الحفاظ على علاقاتها مع كل من الدوحة والرياض في ظل النزاع القائم بين السعودية وقطر. هذا وستكون للإصلاحات الاقتصادية في السعودية انعكاسات عالمية ستؤثر لا محالة على الشركات البريطانية والأمريكية، كما أن التغييرات على مستوى السياسة الخارجية السعودية – مصحوبة بتصعيد مع إيران – من شأنها أن تؤثر على المؤسسات العسكرية والأمنية الغربية وحلفائها.
إن العلاقات التي تجمع بين الرياض ولندن وواشنطن تعود إلى عقود طويلة، وقد يتغير القادة وتتبدل الوجوه، لكن دون أن تفقد المؤسسات العسكرية والأمنية البريطانية والأمريكية ذاكرتها “المؤسساتية”. فهي تحبذ أن تتعرف على الأشخاص الذين يصنعون القرار، بل وتفضل أن تمتد معرفتها بهم لسنوات، وهذه العملية لا تزال سوى في بداياتها مع الأمير محمد. لقد أثار هذا الأخير خلال الأشهر التسعة التي استلم فيها ولاية العهد تحولاً خارقاً للعادة في المملكة العربية السعودية، والآن ها هو يُعرف بنفسه في أكبر العواصم الغربية.
AFP PHOTO / Tolga AKMEN