مرّة أخرى؛ يُثبِت رجُل تركيا القوي تفوّقه الساحق في الانتخابات، لكن القصة الحقيقية التي تُعد بمثابة الدافع وراء ما جرى يوم الأحد؛ تتخطّى الانتصار الإسلامي الذي حقّقه أردوغان، بل هي تتعلّق بصعود القومية التركية المُستبدّة، وقد أظهرت تلك الانتخابات أن تركيا تُعاني من الاستقطاب على أساس عرقي، وقد جاء نصر رجب طيب أردوغان نتيجة لتحالُفه مع القوميين الأتراك، كما أن حزب أردوغان (العدالة والتنمية) AKP سوف يسيطر على البرلمان بفضل تحالُفه مع حزب الحركة القومية MHP؛ وهو الحزب المُتعصّب المُعادي للأكراد، والذي حقّق مفاجأة في الانتخابات الأخيرة بحصوله على 11% من الأصوات، والحقيقة أن تيار القومية الكردية لم يكُن أقلّ حظاً، وعلى الرغم من محاولات وأد الأصوات الكردية؛ فإن “حزب الشعب الديمقراطي” المحسوب على الأكراد قد حصل على 11.7% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
والآن وبعد أن هدأت عاصفة الانتخابات، فإن المُنتصِر الحقيقي في تلك الانتخابات هو القومية التركية المُتعصّبة؛ التي تتميّز بالعداء لكلٍ من الولايات المتحدة والأكراد وأوروبا، والتي واجهت كتلة تصويتية كُردية مُتماسِكة، ومما لا شك فيه أن تركيا أردوغان التي نراها اليوم لا تشهد ثورة إسلامية، وإنما تشهد صعوداً للقومية التي تعتمِد على حُكم الفرد.
وبخلاف النصر الذي حقّقه أردوغان في الانتخابات البرلمانية، فإن الانتصار الذي حقّقه في الانتخابات الرئاسية يعُد الأهم والأبرز على مدى تاريخه الطويل، والفوز الأخير يضمن لأردوغان البقاء رئيساً للبلاد خلال الأعوام الخمسة المُقبلة، كما يضمن له سُلطات غير مسبوقة في ظل نظام رئاسي يتسِم بالمركزية الشديدة، والحقيقة أن أردوغان لم يُحقِق يوم الأحد نصراً رئاسياً عقب حصوله على 52% من الأصوات فحسب؛ بل إن حزبه العدالة والتنمية AKP حصل على 42% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية، كما أن حزب الشعب الجمهوري CHP المُعارِض والمحسوب على تيار يسار الوسط حصل على 30% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والحقيقة أن هذا الحزب هو من أكثر أحزاب المُعارضة التي تتماشى سياستها مع سياسة أردوغان، مما يعني بالتبعية أن جميع السُلطات السياسية باتت رهن إشارة أردوغان، فقد أصبح الرجُل يسيطر على السُلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية بصورة مُطلقة، وهي السُلطات التي لم تجتمِع في يد شخص واحد منذ أن قام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس الجمهورية التركية في العام 1923.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال هناك شيء ما ينقص أردوغان، ألا وهو الشرعية الديمقراطية في مواجهة مُعارضيه، وأية محاولة لتحليل فشل المعارضة في الانتخابات الأخيرة يجب ألا تخرج عن حقيقة واحدة؛ ألا وهي أن تلك الانتخابات لم تكُن حرة أو عادلة، فقد ذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع في ظل حُكم قانون الطوارئ الذي يحد من حرية التعبير عن الرأيّ و التجمُع، كما أن وسائل الإعلام باتت تحت سيطرة الحكومة، وفي ظل تلك الظروف فقد بات على المُرشّح الكردي للانتخابات الرئاسية “صلاح الدين دميرتاش” أن يدير حملته الانتخابية من داخل الزنزانة التي يقبع بها، كما أن الحكومة قامت باستغلال جميع مواردها المالية من أجل تحقيق النصر في الانتخابات، والأهم هو أن الانتخابات قد جرت والناخبين يشعرون بقلق شديد من احتمال تزوير النتائج.
ورغم كل هذا، فإن مُعارِضي أردوغان يحدوهم الأمل في إسقاط الرجُل القوي، وقد وحّدت الانتخابات الأخيرة بين قوى المعارضة المتناحرة بالأساس؛ والتي أنكرت جميعها إعطاء الأغلبية للحزب الحاكم في البرلمان، كما أن حزب الشعب الجمهوري CHP قد تقدّم لانتخابات الرئاسة بمُرشّح من العيار الثقيل (محرم إنجه) يؤمن بمبادئ القومية العلمانية التي تعُد منهجاً للحزب، كما أنه نجح في حشد أعداداً ضخمة من مُناصريه خلال الفعاليات التي كان يقوم بتنظيمها، كما أن حزب الخير IYI الذي تم تأسيسه حديثاً والذي انشق عن الحركة القومية التي ينتمي إليها أردوغان من الواضح أنه بدأ في سحب الأصوات المؤيّدة لحزب العدالة والتنمية AKP، وبينما قامت أحزاب المعارضة بحملات انتخابية تتسِم بالنشاط تعثّر أردوغان خلال الفعاليات الجماهيرية التي كان يقوم بها، وبدأ القلق ينتشر بسبب الحالة الاقتصادية وتدهور قيمة الليرة التركية، وللمرّة الأولى منذ سنوات طويلة باتت المعارضة يحدوها الأمل بسبب ظهور أردوغان بمظهر الزعيم المُنهك الذي بات بلا حصانة حقيقية.
لكن في تلك الانتخابات الأخيرة، قام الناخبون الأتراك بالإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ذات الوقت، وهذا النظام الجديد فتح الطريق لما يُسمّى بالتصويت الاستراتيجي، والواقع أن مُعظم مؤيدي حزب العدالة والتنمية قاموا بالتصويت لأردوغان في الانتخابات الرئاسية، أما انخفاض عدد الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية AKP في الانتخابات البرلمانية فالمُرجّح أنه يعود إلى أن المواطنين الغير راضين عن سياسات أردوغان قاموا بإعطاء أصواتهم لحزب الحركة القومية MHP، وهذا هو ما يُفسِر كيف أن حزب الحركة القومية MHP نجح في تلك الانتخابات على الرغم من أنه فقد العديد من الأصوات لصالح حزب الخير IYI، أما الخسائر في الأصوات والتي طالت حزب الشعب الجمهوري CHP فربما تعود إلى أن بعض العناصر التقدُمية المؤيدة للحزب أعطت أصواتها إلى حزب الشعوب الديمقراطي HDP الموالي للأكراد من أجل مساعدة الحزب على الوصول لنسبة العشرة بالمائة من الأصوات وهي الحد الأدنى لدخول البرلمان.
وعلى الرغم من كل تلك التصورات التكتيكيةالتي شملت عملية التصويت، فإن الهويّة لا زالت تتحكّم في السياسة التركية، حيث أن حزب الشعب الجمهوري CHP لا زال يسيطر على المناطق الساحلية التي تقطنها أغلبية علمانية، أما منطقة الأناضول التي تقطنها أغلبية دينية قومية مُحافِظة فهي تعُد معقل حزبيّ العدالة والتنمية AKP والحركة القومية MHP، بينما ينتشر حزب الشعوب الديمقراطي HDP الموالي للأكراد في المناطق ذي الأغلبية الكردية، وقد حاول المُرشّح الرئيسي للمعارضة جاهداً أن ينأى بنفسه عن الظهور بمظهر المُعادي للتيارين الديني والقومي، لذا فقد تبرّأ من الحزب وتعهّد بأن يكون رئيساً لكل الأتراك، وقد مد يده للأكراد، مُعلِناً أنه حال انتخابه رئيساً للبلاد سيقوم بإصلاحات بغرض وضع حد للمشكلة الكردية، كما وعد التيار الديني المُحافِظ بأنه لن يتدخّل في مسألة إقامة الشعائر الدينية، وأنه لن يقوم بالتضييق على النساء اللواتي يرغبن في ارتداء الحجاب، وعلى الرغم من أنه كان خطيباً مفوّهاً، إلا أنه لم يعلن عن سياسة اقتصادية محددة، وكان ذلك من أبرز الأخطاء التي ارتكبها.
والواقع أن مؤيدي حزب العدالة والتنمية AKP أصابتهم خيبة الامل بسبب الاقتصاد وانتشار الفساد، كما أن أردوغان لا يريد أن يراهن على التيار العلماني أو تيار النُخب، وبدلاً من أن يقوم أنصار حزب العدالة والتنمية AKP بالتنكُر للتيار المُحافِظ وزعيم الحزب أردوغان الذي نجح في رفع مستوى معيشة هؤلاء حتى الآن؛ فإن طريقة تصويت هؤلاء أثبتت غموض مصطلحات المُحافظة والقومية، وأن المصطلحين يُستخدمان بالتبادل وقت الحاجة، وقد كان تصويت هؤلاء بمثابة إثبات على نجاح استراتيجية أردوغان، كما أن نتائج الانتخابات الأخيرة أثبتت أنه على الرغم من تراجُع الاقتصاد التركي في الفترة الحالية فإن أردوغان لا زال يتمتّع بالثقة باعتباره الزعيم القادر على توفير الوظائف والخدمات والاستقرار.
لكن يبقى السؤال: ما هي ملامح المرحلة المُقبلة في تركيا؟، فأردوغان بات يملك التفويض والنفوذ السياسي، وحتى الآن فإن حزبه الحاكم يعتمد على دعم التيار القومي المناوئ للأكراد، لذا فإن أردوغان لن يكون حر الحركة فيما يتعلّق بإجراء إصلاحات ديمقراطية فيما يخُص القضية الكردية، وكذا فإن البلاد ستشهد انتخابات المجالس المحلية خلال العام القادم، لذا فإن أردوغان لن يستطيع القيام بإصلاحات نقدية ومالية قد ينتج عنها تدهور في شعبية الحزب، كما أن اسطنبول وغيرها من المراكز المدنية في تركيا تتمتّع بأهمية خاصة بالنسبة لأردوغان فيما يتعلّق بالشبكات الاقتصادية التي تدعم الرئيس التركي.
ومن ثم فقد باتت تركيا مُرشّحة للمزيد من الاستبداد والاستقطاب السياسي، كما أن البلاد أصبحت غير مستعدة للإقدام على الخطوات الاقتصادية الصحيحة.
AFP PHOTO/TURKISH PRESIDENTIAL PRESS SERVICE/KAYHAN OZER