أراد الرئيس الأمريكي جو بايدن عبر تنظيم إدارته للقمة الأولى حول الديمقراطية البعث برسالة تشير إلى تعلق الولايات المتحدة خلال فترة حكمه بالديمقراطية في بلدان العالم ومن بينها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولكن مبادرته أثارت منذ البداية جملة من الاستفهامات في المنطقة. أولها يتعلق بقائمة المدعوين للقمة، تساءل الكثيرون عن مبررات اختياره للقائمة التي تضم أكثر من مائة دولة مدعوة و قائمة الدول الأخرى غير المدعوة، وهل أن القائمتين كانتا جزءا من هذه الرسالة.

زاد في عدم وضوح المشهد، العدد الكبير من البلدان التي لم تكن ضمن قائمة المدعوين. لم يفاجئ أحد بدعوة اسرائيل لأنها  كثيرا ما كان يتم وصفها في الولايات المتحدة بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط لكن اختيار العراق بدا أكثر تعقيدا. فلو أن الحلفاء الوثيقي الصلة بالولايات المتحدة، مثل الأردن و المغرب، تمت دعوتهم لتم التسليم بأن وضع القائمة تم نتيجة لاعتبارات سياسية واستراتيجية. لذا يبدو السبب الوحيد لاختيار العراق على ما يبدو هو حاجة واشنطن إلى حضور عربي ولو رمزي.

ومما فاقم الغموض حول الموضوع التفسيرات التي قدمها بعض مسؤولي الإدارة الأمريكية. إذ صرح أحد المسؤولين المشاركين في الإعداد للقمة لوكالة رويترز للأنباء أن البحث عن تنويع “التجارب الديمقراطية” كان من جملة المعايير الهامة  التي اعتمدتها واشنطن. وقال هذا المسؤول: “لم يكن الأمر يتعلق بالتعبير عن المساندة لطرف دون الآخر. لم نكن نريد القول إن هذه البلاد ديمقراطية وتلك ليست ديمقراطية”. من مزايا هذا التفسير أنه يمنح  من شاء القدرة على الإنكار بأن الولايات المتحدة أرادت تقسيم الحكام في المنطقة إلى ديمقراطيين ومستبدين.

ورغم ضبابية السردية الأمريكية فقد جذب الانتباه غياب تونس عن القمة وهي البلاد  التي كانت تعتبر رائدة التحولات الديمقراطية في المنطقة بعد انتفاضات “الربيع العربي” . بل إنه حتى نهاية العام الماضي كانت هناك تخمينات حول احتمال احتضان تونس للقمة.

كان ذلك قبل 25 يوليو الماضي عندما قرر الرئيس قيس سعيد -بمساندة من الرأي العام-  تعليق أنشطة البرلمان وإعلان “حالة استثنائية” في البلاد لمواجهة ما وصفه بالخطر الداهم. وقد عبّرت واشنطن منذئذٍ بوضوح عن انشغالها بالأوضاع في البلاد. وإن كانت إدارة الرئيس بايدن تراهن بعدم دعوة تونس للقمة على ممارسة الضغط على سعيد فإن رهانها كان خاطئاً. فالرئيس التونسي لم يُظهر خلال الأشهر الأخيرة أي استعداد لتغيير مواقفه تحت الضغوط الداخلية أو الخارجية.

ومهما كان السبب فإن غياب تونس من القمة يكتسب رمزية كبيرة. فهو انعكاس واضح للعراقيل التي واجهتها موجة الانتفاضات الشعبية لسنة 2011 في فتح صفحة جديدة من الديمقراطية في المنطقة العربية.

وتعكس التطورات التي مرت بها التجربة التونسية على وجه التحديد التحديات التي تعرقل التطلعات المشروعة إلى الديمقراطية في المنطقة.

كانت نقطة الضعف الرئيسية للتجربة التونسية هي عجزها عن الاستجابة للمطالبات الاجتماعية والاقتصادية.

فلم تكن السرديات الشعبوية والحلول القصيرة الأمد كافية للتعويض عن غياب العزيمة على الاصلاح.

وأدى فشل الطبقة السياسية خلال العقد الماضي إلى شعور قطاعات واسعة من المجتمع، وخاصة منهم الشباب، بالإحباط تجاه نخبة حاكمة كانوا يرونها منفصمة عن بقية الشعب. وامتد إحباطهم بشكل أوسع  إلى عملية الانتقال الديمقراطي ككل.

كان يراود الناس في بعض الأحيان الوهم بأن المسار الانتخابي لوحده قادر على ترسيخ التجربة الديمقراطية. ولكن الأمر لم يكن كذلك.

ومجرد النظر إلى الأوضاع الراهنة في ليبيا، التي تمر بشبه حرب أهلية باردة محورها الانتخابات القادمة، كفيل بجعل الكثيرين في المنطقة ينتابهم الشك حول ما إذا كان صندوق الاقتراع في حد ذاته كافياً لإخراج البلاد من أزمتها حتى إذا كانت بقية الشروط غير متوفرة.

باستطاعة الدول الأجنبية والمنظمات الدولية غير الحكومية تقديم الدعم لعمليات الانتقال الديمقراطي، ولكن المبالغة في جهود الدعم تجعل منه تدخلاً وتعطي انطباعاً بأن الأمر يتعلق بنموذج مفروض من الخارج. وقد أظهرت التجربة في تونس أن الجمهور الواسع يتوجس من أي تدخل أجنبي في الشؤون السياسية للبلاد.

كما أظهرت التجربة التونسية صعوبة إيجاد أرضية مشتركة راسخة بين الإسلاميين ومعارضيهم، وبشكل أوسع بناء جسور متينة بين الدين والسياسة في المنطقة. ومازال مناخ الريبة والعداء هو السائد بين الموقفين المتواجهين في هذا الإطار.

والموضوع الشائك الآخر يتعلق بالتوفيق بين السعي لترسيخ أسس السلطة والرغبة في اجتناب الانزلاق نحو السلطوية. فمن المهم الوعي بأن الكثيرين في المنطقة العربية يرغبون في وجود سلطة قادرة على الصمود أمام  مختلف التحديات ولكنها تحترم حقوق مواطنيها و قادرة على حمايتهم من خطر التطرف والأوضاع الاجتماعية الهشة.

وتعطي مظاهر الإحباط من التطورات في المنطقة، ومن بينها الأزمة التي تردت فيها التجربة التونسية، انطباعا بأن الأمور على الساحة الدولية تسير نحو تهميش شمال أفريقيا والشرق الأوسط في كل ما يتعلق بالنقاش الدائر حول الديمقراطية. وقد بدا الحوار الذي سبق القمة وكأنه مركز تماماً حول المفهوم الغربي للديمقراطية الليبرالية في مواجهتها لما يوصف بالنماذج السلطوية  لروسيا والصين. لم يحتل موضوع مستقبل الديمقراطية في العالم العربي مكاناً كبيراً في النقاش.

تظهر على واشنطن اليوم علامات الإجهاد بعد سعيها في الماضي للدفع نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط. وقد تكون واشنطن تشعر أن دورها في هذا المجال مكلف جداً ومخيب للآمال. من ناحية اخرى،  كان من الضروري بعد عام 2011 أن يتم تقديم الدعم للبلدان التي كانت تمر بمراحل انتقالية بشكل يرتقي إلى مستوى الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والحلف الأطلسي لبلدان المعسكر الشرقي سابقاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وبالرغم من النوايا الحسنة للغرب فإن ذلك لم يحدث.

توصلت واشنطن إلى قناعة بأن الاعتبارات المعقدة للأوضاع في الشرق الأوسط قد لا تبرر إعادة إحياء الأجندات التي اعتمدتها خلال العقود الماضية في الدفع نحو الديمقراطية. ولذا فإن واشنطن حيّنت أولوياتها بالتركيز على عدد قليل من القضايا، مثل خطر الإرهاب والبرنامج النووي الإيراني. ومن غير المتوقع بتاتاً أن يخيّم شبح إحداث تحولات جوهرية في المنطقة أو تغيير الأنظمة على قمة الديمقراطية في واشنطن.

قد لا يكون الشرق الأوسط غير قابل للديمقراطية ولكنه يريدها حسب شروطه، وذلك مهما كانت اجندات اصحاب القرار في امريكا.

 

 

أسامة رمضاني هو رئيس تحرير ذي أرب ويكلي، وعمل سابقًا في الحكومة التونسية و في مناصب دبلوماسية في واشنطن.

 

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: