إن خطط إسرائيل لضم القدس لم تكن يوماً صعبة الفهم أو التفسير، فمنذ الاستيلاء على الجزء الشرقي من المدينة سنة 1967، استثمرت الحكومة الإسرائيلية موارد مهمة لترسيخ حضور يهودي قوي في أرجاء القدس. وقد تمحورت معظم هذه الجهود حول العرب المسلمين المقيمين بالمدينة والطرق المتنوعة لإخراجهم من أراضيهم. وما يغيب عن معظم النقاشات حول ضم إسرائيل لهذه الأراضي هي الجهود التي تستهدف المجتمع المسيحي في القدس والضفة الغربية.
وقد بات من الصعب تجاهل هذا الموضوع في ظل وصول التوترات التي اندلعت الأسبوع الماضي بين الحكومة الإسرائيلية والقيادة المسيحية في القدس إلى درجة الغليان. ففي إشارة نادرة على توحيد صفوفها، قررت القيادات المسيحية من مختلف الطوائف بصورة مشتركة إغلاق كنيسة القيامة، تعبيراً عن احتجاجها على مقترح القانون الضريبي الذي يستهدف المسيحيين. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الكنيسة، التي يُعتقد أنها المكان الذي صُلب فيه المسيح، تعد من أهم المواقع المسيحية المقدسة ومزاراً سياحياً رئيسياً بالنسبة للحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم.
فعلى مدى عقود، لم تفرض بلدية القدس أي ضرائب على الأصول المملوكة للكنائس في القدس، غير أنها أعلنت على نحو مفاجئ عن نيتها تغيير معاييرها المتعلقة بالممتلكات المعفية من الضرائب، لتشمل فقط المواقع المخصصة للصلاة أو لتعليم الدين، ما سينتج عنه فواتير ضريبية هائلة – تناهز 200 مليون دولار – بالنسبة للأصول التجارية التي تملكها الكنائس. كما ثار غضب القيادة المسيحية بسبب مقترح قانون آخر عُرض على أنظار البرلمان الإسرائيلي سيسمح للدولة بمصادرة الأراضي التي باعتها الطائفة المسيحية للمطورين العقاريين الخواص.
وقد اعتمدت إسرائيل منذ سنة 1967 على دعم الأوساط المسيحية من مختلف أرجاء العالم، لاسيما المسيحيين الإنجيليين الذين يكتسون أهمية بالغة بالنسبة لسلامة العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة. فحسب التفسير الإنجيلي للكتاب المقدس يجب على اليهود السيطرة على القدس ليتمكن المسيح من العودة إلى الأرض. ومن جهتهم، استعمل القادة الإسرائيليون، الذين يعون تمام الوعي بأن المعتقد الإنجيلي ينص أيضاً على ضرورة اعتناق المسيحية بالنسبة لجميع الذين لا يدينون بها عند نزول المسيح، هذا المنطق الديني لتحويل المصوتين الإنجيليين في الولايات المتحدة إلى قوة دعم لا يستهان بها.
هذا وتستخدم إسرائيل وجود المسيحين في البلاد كدليل على حكمها المستنير، كما تقدم نفسها، ضمن حملاتها الدعائية المكثفة، على أنها أكثر بلدان الشرق الأوسط تسامحاً من الناحية الدينية. ولا تزال هذه الحملات مستمرة حتى في ظل ترسيخ إسرائيل لاحتلالها للضفة الغربية، ما يضع صعوبات مهولة أمام المجتمعات المسيحية الفلسطينية في بيت لحم ورام الله.
إن أي شخص قام بزيارة بيت لحم في السنوات الأخيرة سيكون قد لاحظ أن المدينة ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي. وقد تسببت القيود الإسرائيلية وإغلاق المعابر في انخفاض عدد السياح، كما أن الاحتفالات السنوية بميلاد المسيح، التي عادة ما تعرف إقبالاً سياحياً كبيراً، قد شهدت فتوراً وانخفاضاً في عدد الزوار على مدى السنوات الأخيرة. وأغرب ما في الأمر أن هذا الوضع لا يحظى بأي اهتمام يذكر من قبل المسيحيين المتدينين المؤيدين لإسرائيل من مختلف أنحاء العالم.
وقد يتغير هذا الوضع نتيجة الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في القدس، إذ تصدَّر ما حدث في القدس عناوين الأخبار الدولية وبات من الصعب تجنبه، حتى من قبل المتابعين العرضيين للصراع. إن أحداث كنيسة القيامة يمكن أن يكون لها أثر عميق على الآراء ذات الصلة بإسرائيل وسيطرتها على القدس، ويعتبر هذا الأمر من بين الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إلى التدخل بعد ثلاثة أيام للمساعدة على وضع حد للأزمة الحالية.
ويحيلنا هذا الأمر على سؤال أهم: لماذا تستهدف إسرائيل قيادات الكنيسة وتتحدى الوضع القائم؟ سؤال تكمن إجابته في كيفية تعامل إسرائيل مع احتلالها وسيطرتها على القدس والأراضي الفلسطينية منذ البداية. فمنذ 1967، تمثل هدف إسرائيل الرئيسي في حيازة أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية، سواء بواسطة طرق مشروعة أو غير مشروعة.
وإثر قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القاضي بتسريع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ازدادت الحكومة الإسرائيلية جرأة في جهودها للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي المقدسية. وقد أثبت قرار الرئيس ترامب أنه إذا قامت إسرائيل بتغيير الحقائق من جانب واحد، فإن الولايات المتحدة ستدعم أعمالها بغض النظر عن أي عملية سلام أو قانون دولي. ويرى قادة إسرائيل أن الوقت أصبح مناسباً الآن للاستيلاء على أراضي المسيحيين المقدسيين.
في أوائل تسعينات القرن الماضي، كان المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس من بين أول المؤرخين الذين اطلعوا على أرشيف إسرائيل الخاص بحرب 1948. وكشفت أبحاثه عن أدلة حول جرائم حرب ارتكبها الجيش الإسرائيلي الحديث العهد آنذاك، عند اقتطاعه للحدود في أول حرب عربية-إسرائيلية. في بادئ الأمر، كان موريس يُعتبر يسارياً لتجرئه على كشف الحقائق المسكوت عنها حول تأسيس إسرائيل، غير أنه أصبح يمينياً بعد الانتفاضة الثانية في أوائل الألفية الثانية، وإقدامُه على ذلك له علاقة كبيرة بالنقاش الدائر حول مصير مسيحيي القدس.
فبالنسبة لموريس، كان يجب على إسرائيل إنهاء عملية التطهير العرقي سنة 1948، شأنها في ذلك شأن غيرها من الدول التي قامت بذلك في مرحلة تأسيسها، حيث قال إنه بسبب عدم إتمامها للمهمة، تشهد إسرائيل اليوم مشاكل داخلية لا حصر لها نجمت عن وجود أعداد كبيرة من غير اليهود. هذا ويرى بعض المشرعين أن الجهود التي بُذلت مؤخراً لتعقيد حياة المسيحيين المقدسيين وضمان انتقال أراضيهم لأياد إسرائيلية ليست سوى مواصلة لما بدأ عام 1948.
AFP PHOTO / THOMAS COEX