أذكر في صيف 2011 أنني كنت على متن سفينة متجهة من أثينا إلى قطاع غزة؛ حينها كنت في مهمة لمتابعة أسطول الحرية الثاني في رحلته إلى غزة لصالح مجلة The Nation. لكنني أذكر أيضًا أنه قبل ذلك بعام، أرسل نشطاء فلسطينيين من حملات التضامن عدة سفن محملة بالمساعدات إلى غزة للفت أنظار العالم إلى الحصار البحري الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. ولكن ما كان من سلاح البحرية الإسرائيلي إلا أن اعترض طريق هذه السفن، وصعدت قواته على متنها، ما أسفر عن مصرع عدة نشطاء على يد الجنود. وفي ظل تلك الصحوة الدولية، نظم النشطاء أسطولاً آخر عام 2011، لكن قواربه لم تغادر الميناء أبدًا.
فقبل أن تطأ القوارب مياه المحيط المفتوحة، اعترض الأسطول اليوناني طريقها. ووفقًا لما أفاد به النشطاء ومصادر داخل الحكومة اليونانية، لقد هدد مسؤولون إسرائيليون بعرقلة المحادثات المتعلقة بخطوط أنابيب الغاز المزمع إنشاؤها بين البلدين إذا لم تنجح اليونان في الحيلولة دون إبحار أولئك النشطاء. لم ترد إسرائيل أن تعيد كرة ما حدث في الأسطول الأول، ولم تمانع في التهديد بوقف صفقة اقتصادية بتلك الأهمية مع اليونان، على الرغم من تداعي الاقتصاد اليوناني في ذلك الوقت.
تسلط هذه القصة الضوء على الطبيعة المعقدة للصفقات الاقتصادية الإقليمية مع إسرائيل. فمنذ اكتشاف حقول الغاز الطبيعي الهائلة أمام الشاطئ الشمالي لإسرائيل، بُذلت جهود طائلة لتصدير ذلك الغاز إلى أوروبا. وقد حاولت اليونان وقبرص وتركيا ولبنان تشييد بعض البنى التحتية التي يعود نفعها على كل الأطراف المعنية. لكن السياسة دائمًا ما تجد طريقًا للتدخل.
إن إصرار إسرائيل على تقديم المصالح السياسية على التجارية يجب أن يكون على رأس ما يشغل بال المسؤولين الأمريكيين في سعيهم إلى إنشاء ممر اقتصادي جديد يربط بين الهند وأوروبا من خلال الشرق الأوسط. وقد كشف الرئيس الأمريكي جو بايدن عن تلك الخطة في قمة مجوعة العشرين التي انعقدت مؤخرًا في الهند. وهذا المشروع -في حال تنفيذه- سيشكل تحديًا كبيرًا أمام إستراتيجية الصين التصاعدية في التجارة والاستثمار، التي أسهمت في وقوع عدة بلدان تحت طائلة النفوذ الصيني على مدار العقد الماضي.
وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، استثمر الصينيون بكثافة في البنية التحتية للتجارة الإقليمية بهدف التمتع بتأثير اقتصادي يصب في مصلحة بكين. وبفضل عديد من الشركات المملوكة للدولة، أقرضت الصين أيضًا مبالغ مالية ضخمة إلى بعض البلدان في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، في محاولة أخرى لتأسيس اقتصاد عالمي جديد بريادة الصين.
بينما تسعى الصين إلى تحقيق تأثير أعمق في الشؤون العالمية على مدار أعوام، تسعى البلدان الأصغر سعيًا دؤوبًا إلى الانضمام إلى تحالفات غير تابعة للغرب من شأنها أن تخدم مصالح مستقبلها السياسي والاقتصادي. إن التوسع الأخير في مجموعة دول البريكس (BRICS) من خلال ضم حلفاء مهمين لأمريكا مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يُعَد مثالاً على انصراف الدول الناشئة عن التعاون الجيوسياسي والاقتصادي في إطار النموذج الذي تتزعمه أمريكا والذي استمر على مدار الخمسة عقود الماضية.
لكن اقتصاد الصين يشهد فترة ركود مطولة، ويبدو أن الولايات المتحدة تتحين الفرصة لتسبق خطى الصين من خلال إنشاء مشروعها التجاري الخاص؛ حيث إن ربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط يبدو إنجازًا منطقيًا تتكئ عليه أمريكا في شراكاتها وممارستها القوة الناعمة. لقد أصبحت الولايات المتحدة في أشد الحاجة إلى إبراز مكانتها بوصفها القوة العظمى المهيمنة على العالم من خلال المبادرات الاقتصادية الجديدة التي تعيد الثقة لدى الدول بقيمة التعاون مع واشنطن. ويُعَد الممر الاقتصادي الواصل بين الهند وأوروبا من بين تلك المبادرات. إلا أن هذه الخطة محفوفة بالمخاطر؛ ويرجع ذلك في المقام الأول إلى حلفاء أمريكا الأساسيين في المشروع.
فالتعاون بين أولئك الحلفاء في الشرق الأوسط هو ما تتوقف عليه تلك الخطة التجارية. لقد كانت اتفاقيات أبراهام التي أسفرت عن تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل خطوة مهمة في طريق إنشاء تكتل اقتصادي جديد في الشرق الأوسط من شأنه بلورة هذا الممر التجاري. وكذلك تُعَد احتمالية عقد اتفاقية تطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل بالأهمية نفسها في تهيئة مناخ البنية التحتية التجارية الجديدة. لكن مثل هذه الاتفاقية أمر بعيد المنال.
بالنظر إلى أن المملكة العربية السعودية وإسرائيل هما أهم حليفين لأمريكا في المنطقة، فإن فشل صفقة التطبيع سيكون بمنزلة الضربة القاسمة لمكانة أمريكا ونفوذها. فلكل من المملكة العربية وإسرائيل علاقات متنامية مع الصين، وتاريخ من تجاهل طلبات واشنطن المباشرة، بالنسبة إلى إسرائيل على الأقل. وبذلك يصبح أمام أمريكا الكثير لتخسره إذا باءت هذه الصفقة بالفشل.
لا تُعقد الصفقات التجارية الإسرائيلية بصفة عامة بناءً على المصالح الاقتصادية الجيدة وحدها. بل تعتمد إسرائيل على نفوذها المالي لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. وهذا كان واضحًا في تصرفها مع اليونان فيما يتعلق بأسطول المساعدات المتوجه إلى غزة، وتاريخ إسرائيل من الشراكات الاقتصادية مع بعض أنظمة الحكم الأكثر استبدادًا في العالم.
وفيما يتعلق بعلاقة إسرائيل المتنامية مع الصين، فمنذ أن أسست الصين علاقات مع إسرائيل عام 1992 وهي تسعى إلى ترسيخ علاقاتها مع تل أبيب في مجالَي التكنولوجيا والابتكار. وهذا من شأنه أن يساعد اقتصاد المعرفة الصيني، ويضيف نقطة قوة أساسية إلى منافسة الصين الدائمة مع الولايات المتحدة. وخلال السنوات الأخيرة، ضخت الصين استثمارات مباشرة في البنية التحتية الإسرائيلية، بما في ذلك مرافق الميناء في حيفا، التي من شأنها أن تشكل جزءًا محوريًا من ممر أمريكا المقترح بين الهند وأوروبا. وقد ترغب الصين في إحباط خطة الممر التجاري الأمريكي من خلال استثماراتها في إسرائيل.
يتحول توازن القوى تحولاً بطيئًا من الغرب إلى دول العالم الناشئ. وفي أثناء ذلك تكتشف الدول الأصغر مثل إسرائيل والإمارات العربية المتحدة أن بإمكانها جمع الكثير من المكاسب من خلال الانفتاح على جميع خياراتها الجيوسياسية والاقتصادية في هذه الساحة الجديدة من الجغرافية السياسية. وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في أن تظل القوة العظمى الوحيدة في العالم، فعليها عقد صفقات تجارية كبرى، وتذكير حلفائها الأساسيين بأن بإمكانهم الاعتماد على واشنطن.
جوزيف دانا هو كاتب يقيم في جنوب إفريقيا والشرق الأوسط. وقد عمل مراسلاً من القدس ورام الله والقاهرة وإسطنبول وأبوظبي. وكذلك شغل في السابق منصب رئيس التحرير لمشروع emerge85، وهو مشروع إعلامي كائن في أبوظبي يُعنى باستكشاف التغيرات في الأسواق الناشئة. X: @ibnezra