تملك باكستان منقذ جديد، أو على الأقل شخص يقدم نفسه على أنه منقذ جديد وهو الجنرال عاصم منير رئيس أركان الجيش والحاكم الفعلي للبلاد، ويقول أنصاره أنه يشن حملة لإنقاذ الاقتصاد الباكستاني من خلال محاربة الفساد وجلب عشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات الأجنبية.
وباكستان في أمس الحاجة إلى المساعدة، فاقتصادها في حالة يرثى لها، ولا يزال التضخم مرتفعا عند ما يقرب من 30 في المائة، وتصنف بلومبرج إيكونوميكس باكستان مع أوكرانيا ومصر على أنها الدول الثلاث الأكثر عرضة لأزمة الديون. إن الاتفاقية مع صندوق النقد الدولي هو ما أنقذ البلاد من التخلف عن السداد، لكن تلك الاتفاقية ستنتهي في شهر أبريل والتدفقات الإضافية حيوية قبل وبعد انتهاء البرنامج، بما في ذلك تلك القادمة من صندوق النقد الدولي.
وتتمثل خطة منير لمعالجة الأزمة في دعوة ما يزيد عن 100 مليار دولار من الاستثمارات من دول مجلس التعاون الخليجي من خلال مجلس تسهيل الاستثمار الخاص (SIFC) الذي تم إنشاؤه حديثا.
و”مجلس تسهيل الاستثمار الخاص” هو منصة يديرها الجيش لتسريع الاستثمار من دول مجلس التعاون الخليجي في الزراعة والتعدين وغيرها من القطاعات، وفي حين أن هناك حاجة ماسة إلى الاستثمار من قبل دول الخليج، وهو استثمار مرحبا به، فمن الضروري ألا ترتكب باكستان نفس الأخطاء التي ارتكبتها مع مبادرة الحزام والطريق الصينية.
حيث أطلقت بكين وإسلام أباد مبادرة ثنائية لتعزيز الروابط كجزء من مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، والمعروفة باسم الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. وقال القادة الباكستانيون إن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني سينشئ ممرا جديدا بين الشمال والجنوب يربط موانئ باكستان على بحر العرب بمنطقة شينجيانغ الصينية غير الساحلية، وزعموا أن ذلك من شأنه أن يبشر بعصر جديد من النمو، مما يدفع باكستان إلى مصاف أكبر الاقتصادات في العالم، وسيكون ميناء جوادر الباكستاني الذي تديره الصين، والذي يقع في إقليم بلوشستان المضطرب، مثل مدينة دبي في المنطقة، ولكن للأسف، الهجمات الإرهابية أكثر شيوعا في ميناء جوادر اليوم من زيارات سفن الشحن الرئيسية.
ولكي نكون واضحين، نجح الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في تسريع مشاريع الطاقة الكهربائية والبنية التحتية الحيوية في باكستان، وقد تم إطلاق أو استكمال أكثر من 25 مليار دولار من المشاريع من خلال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، لكن باكستان فضلت السرعة على الاستدامة، وغالبا من خلال تقويض السلطات التنظيمية. ونتيجة لذلك، كانت الطاقة الكهربائية المولدة من خلال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني باهظة الكلفة إلى حد كبير بالنسبة للمستهلكين الباكستانيين. ومع تزايد المتأخرات المستحقة على شركات توزيع الطاقة الباكستانية لمنتجي الطاقة الكهربائية الصينيين، فإن العديد من محطات الطاقة في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني لا تزال خارجة عن العمل.
وبدلا من أن يؤدي الممر الاقتصادي إلى دورة اقتصادية جيدة، كان له تأثير عكسي حيث تظهر البيانات الرسمية الباكستانية أن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني خلق فقاعة وتهافت للاستثمارات من شركاء أجانب آخرين.
وفي السنوات التي تلت إطلاق الممر الاقتصادي، بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر ذروته حيث وصل إلى 2.78 مليار دولار في السنة المالية 2017-2018، مع زيادة مدفوعة إلى حد كبير بالاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة، وانخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في باكستان منذ ذلك الحين. وبدلا من تحويل الاقتصاد الباكستاني، أدى الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني إلى تفاقم اختلال التوازن فيه، مما أجبر البلاد على العودة إلى براثن صندوق النقد الدولي.
واجتذبت الحوافز والامتيازات الحصرية الشركات الصينية المتحالفة مع الدولة، لكن العديد من المستثمرين الأجانب الذين لم يستفيدوا من امتيازات الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني خرجوا من البلاد.
وخلال سنوات الذروة للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، من السنوات المالية 2013-2014 إلى 2017-2018 نما متوسط صافي الاستثمار الأجنبي المباشر السنوي من الصين بنحو سبعة أضعاف مقارنة بالسنتين الماليتين 2011-2012 و2012-2013. وخلال الفترة نفسها، انخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر من كل الشركاء الغربيين الرئيسيين، بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة وهولندا، بنسبة تتراوح من 36٪ إلى أكثر من 300٪.
ومن الواضح أن تاريخ باكستان ذاته يظهر أخطار منح مزايا تنافسية للمستثمرين الجدد من منطقة جغرافية واحدة على حساب الإصلاح الشامل الأوسع نطاقا، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة مؤقتة في الاستثمار، لكن أولئك الذين تم استبعادهم لن يفكرا بالعودة إلى باكستان. وقد ينتهي الأمر بالمستثمرين الحاليين بالمغادرة.
وتتضمن حالة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني أيضا سابقة حديثة لمجلس تسهيل الاستثمار، فبناء على طلب الجيش، أنشأت حكومة باكستان سلطة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في عام 2020، بقيادة ضابط كبير متقاعد مؤخرا في الجيش، كان من المفترض أن تكون سلطة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، مثل SIFC، بمثابة “عملية النافذة الواحدة” لدفع مشاريع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني من خلال الإجراءات الروتينية، وبدلا من إصلاح نظامها التنظيمي ككل، اختارت باكستان إنشاء منظمة بيروقراطية جديدة مكرسة فقط لتعزيز الاستثمارات من بلد واحد، وهو الخيار الذي لم يكلل بالنجاح.
وتكرار أخطاء مماثلة من شأنه الحاق الضرر في قدرة باكستان على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر المستدام. وبدلا من ذلك، تحتاج باكستان إلى القدرة على التنبؤ والشفافية والكفاءة، والقواعد هي ما يساعد الاقتصاد وليس العكس ويجب أن تكون تلك القواعد واضحة ومتسقة وعادلة.
ولتحقيق أكبر قدر من الفائدة لباكستان، يجب أن يقترن هذا الجهد المتجدد لجذب الاستثمار الأجنبي بإصلاحات عميقة للنظام القضائي، وخاصة قدرته على الفصل في النزاعات التجارية، وإنفاذ العقود، وحماية الملكية الفكرية، يجب أن يفسح المجلس المجال في نهاية المطاف لمجلس استثمار مخول وهيئات تنظيمية معززة، مثل الهيئة الوطنية لتنظيم الطاقة الكهربائية.
ويعد مجلس التعاون الخليجي ضروري لمستقبل باكستان الاقتصادي، فمع ارتفاع أسعار الفائدة نسبيا في الغرب، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي واحدة من مصادر التمويل الرئيسية في العالم، إن دعوة المملكة العربية السعودية كشريك استراتيجي في مشروع منجم النحاس الضخم ريكو ديك أمر منطقي تماما، ولكن كما هو الحال مع ميناء جوادر التابع للممر الاقتصادي، يرتبط نجاح ريكو ديك بحل التمرد الانفصالي الذي يحتاج بشدة إلى حل سياسي.
وفي نهاية المطاف، لكي تزدهر باكستان، فيتعين على مدنييها، سواء قادتها المنتخبين أو الشعب الذي يمثلونه، أن يأخذوا بزمام المبادرة، إن الإصلاح المؤسسي، والاستقرار السياسي من خلال الحكومة التمثيلية، والاستثمارات العميقة في التنمية البشرية من الممكن أن تبشر بعصر من النمو السريع والمستدام والعادل.
عارف رفيق هو رئيس شركة فيزر للاستشارات ذ.م.م، وهي شركة استشارية للمخاطر السياسية تركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وباحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط.
X: @arifcrafiq