أثارت الصين الكثير من التساؤلات حول استراتيجيتها طويلة المدى في القارة السمراء أواخر العام الماضي، بعد إعلانها تقليص الأموال التي تقرضها لإفريقيا، من 60 مليار دولار إلى 40 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة، كما أن ذلك الإعلان أثار تساؤلات أخرى حول مصير تلك الأموال وإلى أين ستتجه؟
ويمكن للشرق الأوسط أن يكون جزءًا من الإجابة على ذلك السؤال، ففي الشهر الماضي، وفي غضون خمسة أيام فقط، زار الصين وزراء خارجية المملكة العربية السعودية والكويت وعمان والبحرين برفقة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، كما دعت الصين وزيري خارجية تركيا وإيران، لإجراء محادثات حول التجارة والاستثمار.
وتعكس تلك الجولات نوعية التحولات في علاقة الصين بالشرق الأوسط، حيث يهتم قادة دول مجلس التعاون الخليجي باستئناف المحادثات حول اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد عقد الجانبان تسع جولات من المفاوضات بين عامي 2005 و2016 قبل توقف تلك الجولات بسبب الخلافات السياسية داخل دول مجلس التعاون الخليجي، والتي أدت إلى قطع السعودية والإمارات والبحرين لعلاقاتها مع قطر، وبعد إصلاح تلك الخلافات الداخلية، عادت المفاوضات مع الصين إلى مسارها السابق.
ويبدو أن الصين على أهبة الاستعداد للتحرك وعلى جناح السرعة، فقد أدرج وزير الخارجية الصيني مؤخرًا “الإبرام السريع لاتفاقية التجارة الحرة لدول مجلس التعاون الخليجي” كأولوية لسياسة الصين الخارجية في عام 2022، وبينما لم يتم الإعلان عن تفاصيل الاجتماعات مع وزيري الخارجية التركي والإيراني، إلا إن وسائل الإعلام الصينية تكهنت بأن التنمية والتعاون الاقتصادي على رأس أولويات الدول الثلاث.
وتندرج معظم مشاركة الصين الاقتصادية مع الشرق الأوسط ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق (بي أر أي)، واستراتيجية “شي” الكبرى للمشاركة الاقتصادية العالمية. ونظرًا لأهمية الشرق الأوسط في مجال التجارة والطاقة، فهو يحتل بطبيعة الحال مكانًا مهمًا في خطط مبادرة الحزام والطريق في الصين، وذلك هو السبب الذي أدى إلى زيادة سريعة في الإقراض الصيني للشرق الأوسط في السنوات الثلاث الأولى من مبادرة الحزام والطريق، من 300 مليون دولار في عام 2014 إلى 8.8 مليار دولار في عام 2017 (بما في ذلك زيادة قدرها 10 أضعاف في عام 2015).
وكانت إفريقيا منطقة مهمة أخرى لخطط الصين حول مبادرة الحزام والطريق، لكن التباطؤ الاقتصادي في الصين في السنوات الأخيرة، وانخفاض مستوى الإقراض المرتبط بمبادرة الحزام والطريق في بكين وسط مخاوف بشأن مقدرة تلك الدول الأفريقية على تحمل الديون الناجمة عن الوباء، جعل العديد من البلدان الأفريقية أقل جاذبية للإقراض الصيني. ومقارنة بإفريقيا، فإن العلاقات بين الصين والشرق الأوسط أقل عرضة للتأثر بأي تباطؤ في مبادرة الحزام والطريق، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن طلب الصين على الطاقة من الشرق الأوسط مستقر نسبيًا ويمكن أن يرتفع في السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة قبل عام 2030، وهو العام الذي ستكون انبعاثات الكربون في الصين على وشك بلوغ ذروتها.
كما أنه من المرجح أن ينمو طلب الشرق الأوسط على المنتجات والخدمات الصينية بدلاً من الانخفاض، وعلى عكس العديد من البلدان الأفريقية، التي اعتمدت بشكل كبير على القروض الصينية لدعم تطوير بنيتها التحتية المحلية، تتمتع دول الشرق الأوسط بوضع مالي أفضل، وبالتالي لا تحتاج إلى اقتراض الأموال من الصين لدعم النمو المحلي، وعليه، فإن دول الشرق الأوسط محمية بشكل أفضل من التقلبات الاقتصادية الصينية أكثر من الدول الإفريقية في أي وقت مضى.
وبينما يدخل التزام الصين تجاه إفريقيا مرحلة جديدة، تستمر العلاقات الاقتصادية بين الصين والشرق الأوسط في التطور، على سبيل المثال، في قطاع الطاقة، تمت إضافة الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة النووية المدنية، إلى إطار التعاون التقليدي. وتنظر الصين أيضًا إلى الشرق الأوسط باعتباره فرصة هائلة لتطوير البنية التحتية نظرًا لنظام النقل غير المتطور في المنطقة، مثل السكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ، فضلاً عن الميزة النسبية للشركات الصينية، إن تحويل التركيز من تطوير البنية التحتية في إفريقيا إلى الشرق الأوسط أمر منطقي من الناحية المالية والعملية.
وتشير المشاركة الدبلوماسية المكثفة بين الصين ودول الشرق الأوسط إلى الدور المتزايد الأهمية الذي تلعبه الصين في المنطقة، والعكس صحيح. وينعكس هذا أولاً وقبل كل شيء في التجارة الثنائية، ففي عام 2020، كانت الصين أكبر شريك تجاري للمنطقة، حيث بلغ إجمالي حجم التجارة 272.63 مليار دولار، وعلى عكس التصور القائل بأن العلاقات بين الصين والشرق الأوسط تتكون حصريًا من واردات الطاقة، إلا إن الصين تمتلك في الواقع فائضًا تجاريًا مع الشرق الأوسط، ففي عام 2020 استوردت الصين 250 مليون طن من النفط الخام من الشرق الأوسط، أي حوالي 50 في المائة من واردات الصين العالمية، وفي نفس العام، صدرت الصين ما قيمته 144 مليار دولار من الآلات والمعدات والسيارات وغيرها من المنتجات إلى الشرق الأوسط.
ومن وجهة النظر الصينية وعلى نفس القدر من الأهمية، يحتل الشرق الأوسط نسبة صغيرة نسبيًا من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر للصين، ففي عام 2019، بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني إلى المنطقة 2.75 مليار دولار، أي ما يقرب من 2 في المئة من إجمالي الاستثمار العالمي.
واستثمارات الصين في الشرق الأوسط ليست بالشيء الجديد، حيث تم الكشف عن الحزمة الاقتصادية الأكثر إثارة للإعجاب التي قدمتها الصين في المنطقة خلال زيارة الرئيس الصيني “شي” لمصر، في شهر يناير 2016، عندما التزمت الصين بتقديم تمويل بقيمة 55 مليار دولار، بما في ذلك 15 مليار دولار للتنمية الصناعية و 10 مليارات دولار للتعاون في مجال الطاقة، وعزز اهتمام “شي” بالمنطقة مشاركة الصين في الشرق الأوسط، ورفعها في عام 2016 إلى مرتبة أكبر مستثمر في العالم العربي.
ولكن في الوقت الذي تسعى فيه الصين بشكل متزايد لتجنيب استثماراتها عنصر الخطر، فإن انسحاب الصين من إفريقيا قد يكون نعمة لدول الشرق الأوسط، وفي حين أنه لم يتضح بعد النمط المستقبلي لعلاقة الصين الجديدة مع إفريقيا، فإن الأمر الواضح بشكل متزايد هو أن بكين تنظر إلى الاستثمار في الشرق الأوسط على أنه رهانا أكثر أمانًا للمدى البعيد.
يون صن هي مديرة برنامج الصين والمديرة المشاركة لبرنامج شرق آسيا في مركز ستيمسون في العاصمة واشنطن، وتتمتع بخبرة في السياسة الخارجية الصينية والعلاقات الأمريكية الصينية وعلاقات الصين مع الدول المجاورة والأنظمة الاستبدادية.