وافقت مجموعة البريكس التي تضم اقتصادات ناشئة كبرى وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا على دعوة ست دول أعضاء جديدة إلى ناديها الصاعد، وأعلن رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا ذلك الإعلان الكبير هذه الأسبوع في ختام القمة السنوية لقادة بريكس التي عقدت في مدينة جوهانسبرج.

وفي حين اعتبر النقاد الغربيون مجموعة البريكس مجموعة صغيرة لا تزال في طور التكوين، فإن ضم الأرجنتين ومصر وإثيوبيا وإيران فضلا عن منتجي الطاقة الرئيسيين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يمثل تحولا كبيرا لا يمكن تجاهله بسهولة.

وكانت مجموعة البريكس مجموعة يطغي عليها التفاؤل غير الواقعي منذ النشأة، وصاغ مصطلح “بركس – BRIC” الخبير الاقتصادي جيم أونيل في عام 2001 لتسليط الضوء على معدلات النمو القوية في البرازيل وروسيا والهند والصين في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة.

وجذبت اقتصادات الأسواق الناشئة الكثير من الاستثمارات في حقبة العشرينات، ويعتقد الكثير الآن أن تلك الاستثمارات لم تكن منطقيه.

وكانت تركيا هي الوجه المشرق لتلك الإثارة، حيث تعاظم صعود الاقتصاد التركي في أواخر الثمانينيات بسبب نهج القوة الناعمة والخيرة الذي تبنته البلاد المتمثل في “عدم وجود مشاكل مع الجيران”. ودفعت تلك الاستراتيجية الاقتصادية والجيوسياسية الاقتصاد التركي وحفزت الاستثمار لكنها تعرضت لضغوط هائلة في السنوات الأخيرة، وكان التفاؤل المبالغ بشأن صعود الطبقة المتوسطة العالمية في الأسواق الناشئة سببا في تحديد المزاج المزدهر عندما عقدت مجموعة البريكس الأولية قمتها الأولى في عام 2009.

وتهيمن الصين اليوم على مجموعة البريكس، كما تُعد أقوى أعضائها، وخفتت الأصوات القائلة بصعود الطبقة المتوسطة الجديدة، حيث تكافح الأسواق الناشئة جنبا إلى جنب مع الاقتصاد الصيني. ومع ذلك، فقد تم وضع الأساس لتكامل أعمق بين الدول خارج دائرة الدول الغربية، وتعمل الصين على وضع ذلك الأساس والاستفادة من تلك الروابط مع ضمان أن أهداف سياستها الاقتصادية والخارجية هي من يقود التحولات.

وتعد الدعوة الموجهة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مثالا حيا لتلك الاستراتيجية، حيث تتمثل إحدى المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الأساسية للصين في كسر هيمنة الدولار على تجارة النفط والغاز، وعندما طرحت أرامكو السعودية فكرة الاكتتاب العام، أعربت الصين عن اهتمامها بالحصول على حصة الأقلية، ولم يحدث ذلك أبدا، لكن الصين استثمرت بسخاء في الاقتصاد السعودي وفي قطاع النفط.

كما برزت الصين كوسيط قيم بين المملكة العربية السعودية وإيران، حيث توسط دبلوماسيون صينيون في شهر مارس حول اتفاق مصالحة بين البلدين في خطوة فاجأت واشنطن وأحرجتها، إن ضم إيران والمملكة العربية السعودية إلى مجموعة بريكس + سيزيد من نفوذ الصين في الشرق الأوسط.

ولم تكن يكن كل الأعضاء متحمسون لفتح العضوية لمجموعة البريكس، حيث كانت البرازيل حذرة بشكل ملحوظ بشأن ضم أعضاء جدد، ولكنها بلا شك سعيدة بإدراج الأرجنتين، فقد أصبح البلدان في أمريكا الجنوبية قريبين بشكل متزايد في السنوات الأخيرة إلى درجة العمل على عملة مشتركة.

إن ترسيخ مثل تلك التحالفات في جنوب الكرة الأرضية هو أحد الدروس المستفادة الرئيسية من النفوذ المتزايد لمجموعة بريكس. ويجادل النقاد الغربيون بأن التكتل عبارة عن قول من دون فعل، لكن الخطوات الصغيرة تضع الأساس لنسخة جديدة من الاقتصاد العالمي، وارتفعت التجارة بين دول بريكس بنسبة 56 في المائة بين عامي 2017 و 2022 إلى 422 مليار دولار ، وهو اتجاه تصاعدي يبدو من المؤكد أنه سيستمر.

وتبدو الولايات المتحدة وراء تلك التطورات، حيث حرصت جنوب أفريقيا طوال قمة مجموعة البريكس على تجنب اغضاب الولايات المتحدة، وفي خطاب وطني متلفز عشية القمة، قال الرئيس رامافوزا إن جنوب إفريقيا لن تنجر إلى منافسة بين القوى العالمية، ثم أكد من جديد موقف جنوب أفريقيا من عدم الانحياز بشأن الصراع الأوكراني.

والبلدان على خلاف منذ أن اتهم السفير الأمريكي في بريتوريا روبن بريجيتي جنوب أفريقيا ببيع أسلحة بشكل غير قانوني لروسيا في العام الماضي، وأثار المشرعون الأمريكيون إمكانية حذف اسم جنوب إفريقيا من قائمة النمو والفرص في أفريقيا، وهو اتفاق للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة والعديد من الدول الأفريقية ويعد حيوي لاقتصاد جنوب إفريقيا.

وعلى الرغم من الخطاب والتهديدات، تستفيد الشركات الأمريكية، مثل فورد، بشكل كبيرمن العلاقة التجارية الحالية مع جنوب إفريقيا، ومن غير المرجح أن يطرأ أي تغيير حقيقي على تلك الترتيبات لأنه من شأن أي تغيير الحاق الضرر بالاقتصاد الأميركي.

وتسلط هذه القصة الضوء على الوضع المعقد الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه، مع صعود مجموعة البريكس، فالعديد من الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاقتصاد الأمريكي للحصول على الدعم التجاري والعسكري تتعاون الآن بقوة مع روسيا والصين من خلال الكتلة، ولا تستطيع واشنطن أو لا تريد فعل أي شيء حيال ذلك.

هل يمكننا تخيل الولايات المتحدة وهي تنتقد علنا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بسبب عضويتها الجديدة في مجموعة البريكس؟ لا يمكن تخيل ذلك، لقد فشلت أميركا في محاسبة جنوب أفريقيا، وهي دولة أقل قوة، بسبب علاقاتها المشكوك فيها مع روسيا، لقد نفدت سبل الترهيب والترغيب من خزائن الولايات المتحدة بالتزامن مع توسيع وتعميق التعاون في جميع أنحاء الجنوب.

ومن منظور صيني طويل الأمد، يتلخص أفضل مسار للعمل في الاستمرار ببطء في بناء البنية الأساسية لاقتصاد عالمي غير منحاز من خلال مجموعات مثل مجموعة البريكس، وفي نهاية المطاف، سوف تكون الشراكات التجارية والتعاون بين تلك البلدان راسخة إلى الحد الذي لا يمكن تجاهله، وسوف تكون التغييرات الأكثر أهمية في النظام العالمي، مثل إزاحة الدولار الأميركي من عرش العملة الاحتياطية العالمية، أمرا ممكنا، وتعرف الصين ذلك، ولهذا السبب حضر الرئيس شي جين بينغ الاجتماعات شخصيا.

وفي حين أن هذا لن يحدث في القريب العاجل، لكن يتم تمهيد الطريق لهذا من اليوم.

جوزيف دانا: كاتب مقيم في جنوب أفريقيا، وقد قدم تقارير من القدس ورام الله والقاهرة واسطنبول وأبو ظبي، وشغل سابقا منصب رئيس تحرير امرج85، وهو مشروع إعلامي مقره أبو ظبي لاستكشاف التغيير في الأسواق الناشئة.
X: @ibnezra

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: