خلال حملته الرئاسية قبل سنتين، وعد دونالد ترامب الناخبين برفع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 4 بالمائة سنوياً. لكن المشكلة تكمن في أن مختلف أجزاء خططه الاقتصادية لم تتكامل فعلياً. وبعد أن أصبح رئيساً للبلاد، تفاخر ترامب أمام زعماء العالم في دافوس بما اعتبره “أكبر” تخفيض ضريبي في تاريخ الولايات المتحدة، مشدداً على أن بلاده مفتوحة أمام الأعمال، وداعياً المستثمرين من مختلف أنحاء العالم إلى نقل مشاريعهم إلى الولايات المتحدة (نقطة تحتسب لفائدة العولمة). بالمقابل، يبدو أن ترامب استسلم في الوقت ذاته للنزعات القومية، فقراراته الحمائية بشأن الصلب والألومنيوم قد دفعت كبير مستشاريه الاقتصاديين غاري كوهن إلى الاستقالة من منصبه، وهو ما جعل الرئيس الأمريكي، في ظل حالة الارتباك التي يعيشها، يطلق عليه لقب “المناصر للعولمة” (إذ يبدو أن العولمة ليست بالشيء الإيجابي من وجهة نظر ترامب). لكن الأمور لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها مع ترامب، فهو عازم على “خلخلة” طريقة سير العملية السياسية. ومن هذا المنظور، يجدر بدول الخليج التريث قبل اتخاذ أي خطوات إزاء الرسوم الجمركية التي يرمي إليها ترامب.

لا شك أن الأمر معقد جداً، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار الأثر المحتمل للرسوم الجمركية – 25 بالمائة على الصلب المستورد و10 بالمائة على الألومنيوم المصنع خارج الولايات المتحدة. فهل سيستفيد المنتجون الأمريكيون من هذه الرسوم، أم سيتضررون منها، أم لن يكون لها أي أثر يذكر؟ وهل ستستمر هذه الرسوم أم سيتم إلغاؤها مستقبلاً؟ هنا تكمن معضلة الموردين الأجانب. فإذا كانت كندا والمكسيك قد تم إعفاؤهما من هذه الرسوم في الوقت الراهن، فباقي الدول الموردة لم تحظ بهذا الامتياز. بالمقابل، أعد الاتحاد الأوروبي قائمة سلع أمريكية ينوي فرض ضرائب عليها، بدءاً من دراجات “هارلي ديفيدسون” النارية وحتى زبدة الفستق. وبطبيعة الحال، يملك الاتحاد الأوروبي والصين، التي تعد أحد أكبر منتجي الصلب والألومنيوم، فائضاً تجارياً في معاملاتهما مع الولايات المتحدة قد يدفعهما إلى اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تثنيها عن فرض تكاليف إضافية على صادراتهما (المزيد عن هذا الأمر لاحقاً).

لكن منتجي الصلب والألومنيوم الخليجيين هم، بشكل عام، دول تشتري أكثر مما تصدر إلى الولايات المتحدة. وتتضمن قائمة أكبر منتجي الألومنيوم في الخليج دول الإمارات والبحرين وقطر وعمان. وقد تفضل هذه الدول أن تنظر إلى الأمر كنزاع بين الولايات المتحدة ومنافسيها الاقتصاديين في أوروبا وآسيا، لكن هذه النزاعات لها تكاليفها، وسيتعين على دول الخليج تحمُّل بعض من الأضرار الجانبية، لكن السِّر في كيفية الحد منها.

فما الذي يمكن للمنتجين الخليجيين فعله إن هم قرروا التحرك؟ لنأخذ مثال دولة الإمارات والألومنيوم. إذا أرادت الإمارات القيام بشيء إزاء الرسوم الجمركية، فإن أمامها خياران اثنان. يتمثل أولهما في إمكانية إبقائها على أسعار الألومنيوم في الأسواق الأمريكية على حالها، بحيث تستوعب ضريبة 10 بالمائة المفروضة على هذه المادة، على أن يخفض هذا الإجراء من هامش ربحها فقط دون استنفاده بأكمله. أما الخيار الثاني فهو البحث عن أسواق بديلة، بيد أن تنفيذ خطوة كهذه يبقى أمراً صعباً، في ظل وعد الولايات المتحدة بإنتاج كمية إضافية من الألومنيوم تصل إلى 700 ألف طن سنوياً والتي قد تضغط على السوق وتخفض الأسعار.

وسيكون كلا الخيارين مكلفين، وربما غير ضروريين إذا ما نظرنا إلى حالات سابقة. فقد فرض الرئيس السابق جورج بوش رسوماً على الصلب سنة 2002، إلا أن التجربة فشلت واستمرت لأقل من عامين قبل أن يتم إلغاؤها في نهاية المطاف. ويمكن أن يضطر ترامب للسير على نفس المنوال، حيث إن الأوروبيين يعتقدون أن بوسعهم تشديد قبضتهم على الولايات المتحدة بنفس القدر الذي يسعى به ترامب إلى القيام بالأمر نفسه، أي خوض حرب تجارية بمعنى آخر.

لكن لنعد إلى الفائض التجاري الذي تستفيد منه كل من أوروبا والصين على حساب أمريكا. فترامب وحلفاؤه يرون أن أوروبا والصين تستفيدان من امتيازات غير عادلة تتمثل على التوالي في الحواجز غير الجمركية والعملة الموجهة. وقد يراهن ترامب على أنه بدلاً من إذكاء نار الحرب التجارية، ستذعن كل من أوروبا والصين من خلال الموافقة على إجراء مفاوضات للخروج من الجمود الحالي. إن الأمور ليست أبداً كما ما تبدو مع ترامب، “مخلخل” العملية السياسية الاعتيادية.

لذلك فقد يكتفي الخليج بلعب دور المتفرج على معركة تتجاوز الصلب والألومنيوم. وباعتباره متفرجاً، فإن بإمكانه التفاوض للحصول على صفقة تمكنه من تقليص حجم الخسائر.

وعلى سبيل المثال، استوردت الإمارات في سنة 2016 ما قيمته 22.4 مليار دولار من المنتجات الأمريكية، في حين بلغت قيمة صادراتها 3.4 مليار دولار (شكل الألومنيوم الإماراتي الصنع منها مليار دولار والصلب 100 مليون دولار). وبالتالي، يمكن القول إنه ليس على الدول التي تسجل عجزاً تجارياً في معاملاتها مع الولايات المتحدة أن تقوم بأي إجراء على الإطلاق بشأن صناعات الألومنيوم والصلب. وبالنظر إلى أن للولايات المتحدة الكثير لتخسره جراء تشديد الخناق على الشركاء التجاريين الذين تبيع لهم أكثر مما تشتري منهم، فقد يكون إعفاء هؤلاء المنتجين أمراً ذا فائدة أكبر بالنسبة لواشنطن. فإذا كان من الممكن استثناء المكسيك وكندا، لم لا ينطبق الأمر على غيرهم؟

قد لا يلقى ترامب استحسان الناس، كما أن كثيراً من الأمور التي حدثت خلال السنة الماضية قد أصابت الكثيرين بالإحباط، إلا أن آخر ما يمكن أن يُنصح به المرء، هو أخذ أقوال ترامب وأفعاله على ظاهرها، ففي أفضل الحالات أو أسوئها، عادة ما لا تكون الأمور كما هي مع ترامب.

AFP PHOTO / FAYEZ NURELDINE

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: