باءت المساعي الأخيرة التي بذلتها إدارة بايدن لمد جسور التواصل والتعاون مع بكين بالفشل الذريع، فقد قوبلت زيارة نائبة وزيرة الخارجية “ويندي شيرمان” في يوليو الماضي بقائمتين صينيتين للمطالبة بتغيير السياسة الأمريكية، وسافر جون كيري، مبعوث بايدن للتغيرات المناخية، إلى بكين بعد ذلك بشهر وتلقى رسالة واضحة مفادها إن التعاون الذي يسعى إليه بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري لن يتم بسبب العداء الأمريكي. ويبدو إن أمل واشنطن في عقد قمة رئاسية بين بايدن والرئيس شي جين بينغ في طريقه للتبخر، على الرغم من أنهما قد يعقدان اجتماعًا افتراضيًا قبل نهاية العام. ويكاد يكون من المؤكد إن الرئيس شي جين بينغ لن يحضر قمة مجموعة العشرين في روما شخصيًا، ولا يوجد حوار تقريبًا في الصين حول سفره إلى غلاسكو لحضور اجتماع المناخ في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2021 ” COP26″.

 

ووصف الكثيرون في الصين الوضع الحالي للعلاقات الأمريكية الصينية بمصطلح “جمود سياسي”، ويقولون إن بايدن تبنى مسارًا ليس أكثر تصادمية أو تعاونًا من مسار الرئيس السابق، مع تركيزه على عامل التنافسية. ويكمن السر الذي يعطل أي تقدم في كلا المسارين المختلفين وفي كيف تريد كلا الدولتين العظميين المضي قدماً فيما يخص تعاونهم المشترك.

 

وتعتمد طريقة بايدن على التعامل مع القضايا المختلفة مع الصين بشكل منفصل أو “مجزأة”، حيث يتم السعي وراء المنافسة والتعاون والمواجهة مع بكين في نفس الوقت، وتتعارض هذه الطريقة مع وجهة النظر الصينية القائلة بأن الحوارات يجب أن تكون مترابطة وتشمل كافة المواضيع، أي من خلال “ربط القضايا بعضها ببعض”، وبدون حل نقطة الخلاف هذه، قد لا تتحقق رغبة واشنطن في علاقة قائمة على “المنافسة المسؤولة”.

 

وكانت استراتيجية بايدن في تجزئة الجوانب المختلفة للعلاقات الأمريكية الصينية واضحة منذ أن تولى منصبه، حيث وصف وزير الخارجية أنطوني بلينكين النهج بأنه “تنافسي عند الضرورة، وتعاوني عند توفر الفرصة، وتصادمي عند الحاجة.”

 

ووفقاً لهذا المنطق، تسعى الولايات المتحدة إلى التنافس بقوة مع الصين في جميع المجالات والتصدي بفعالية للتهديدات الأمنية الصينية، خاصة في تايوان وبحر الصين الجنوبي.

 

ومع ذلك فإن السياسة الأمريكية تشمل عنصر التعاون مع الصين، في قضايا مثل تغير المناخ والتحديات الإقليمية وقضايا أخرى، بما في ذلك كوريا الشمالية وإيران وميانمار وأفغانستان، وترى الولايات المتحدة أن التعاون ممكن ومرحب به من كلا الجانبين.

 

وبالتالي، إذا تمكنت الولايات المتحدة والصين من التنافس من أجل مصالحهم الوطنية، والتعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، فسيساعد ذلك في تشكيل علاقة ثنائية أفضل وخدمة الولايات المتحدة بشكل جيد، كما تعتقد واشنطن.

 

وبالنسبة للصينيين، تظهر الأدلة التي تم جمعها على مدار الأشهر الثمانية الماضية أن هذا النهج المجزأ لا يُجدي نفعا. فوفق المنظور الصيني: قد يزور كيري الصين مرارًا وتكرارًا للسعي للتعاون في مجال تغير المناخ، لكن هذا لا يمنع الولايات المتحدة من الاستمرار في فرض الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية التي فرضتها إدارة ترامب، وبالمثل، يمكن لـ”بايدن” إجراء مكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني “شي” حيث يناقش “مسؤولية كلا البلدين لضمان عدم تحول المنافسة إلى صراع”، لكن هذا لا يمنع إدارته من الانخراط في تحركات “مناهضة للصين” بعد ذلك مباشرة. ففي اليوم التالي لمحادثة هاتفية أجريت بين الزعيمين في سبتمبر الماضي، تم الإعلان إن الولايات المتحدة تدرس السماح لتايبيه بإدراج “تايوان” بالاسم الرسمي لمكتبها في واشنطن. وأثارت هذه الخطوة غضب بكين، التي تنظر إلى الجزيرة الديمقراطية على أنها جزء من أراضيها، وبعد ذلك، وبعد مضي أسبوع من تلك المكالمة، صرحت الولايات المتحدة إنها ستزود أستراليا بتكنولوجيا الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية.

 

ويخلق هذا النهج الكثير من الحيرة والارتباك لدى الجانب الصيني، ويحاول المحللون الصينيون جاهدين فهم مع ما يرونه نهجا غير متسق ومتضارب. وبالنسبة للصين، فإن الطبيعة التنافسية للعلاقات الثنائية ليست سامة فحسب، بل إنها تفرض على كل بلد بذل جهد حثيث لكسب نقاط في القضايا الثنائية، وهذا يعني أن مصالحهم المتباينة تطغى على معظم، إن لم يكن كل، المصالح الثنائية. وهذا يعني أيضًا أن بكين ترى أي تعاون مع إدارة بايدن على أنه “تقديم خدمات مجانية من جانبها”، من دون رد المعروف من الجانب الأخر.

 

وبالنسبة لبكين، تمثل الحل في إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة دائمًا في مشكلة الترابط بين مختلف القضايا، حيث تمت الاستفادة من التعاون الصيني في قضايا مثل الدخول إلى الأسواق المحلية وحل النزاعات الخارجية لانتزاع التنازلات من واشنطن في المجالات التي تعتبرها الصين حاسمة، مثل تايوان وسنجان والتبت وحقوق الإنسان. وكان مبدأ المقايضة سائد على مدى أربعة عقود لدرجة أن بكين أدركت أن بإمكانها دائمًا المساومة. وبالنسبة للصين، فإن مبدأ الأخذ والعطاء هو الحالة الأولية لشكل العلاقات الأمريكية الصينية، وعندما قدمت إدارة بايدن إطارًا يفصل بين هذه القضايا، كان رد الفعل الصيني هو الرفض التام.

 

وهناك جانبان للآثار المترتبة على هذا الصدام، الجانب الأول بالنسبة للصين، توترت الطبيعة الشاملة للعلاقة على المستوى الاستراتيجي. لذلك، يُعتقد إن أي تعاون على المستوى التكتيكي لن يستفيد منه أحد سوى الجانب الأمريكي، حتى لو كان ذلك التعاون في مصلحة الصين، فإن الصين لن تمنح الولايات المتحدة الشعور بالرضى التي تصبو إليه.

 

ويتجلى هذا المبدأ الصيني مؤخرًا في تعامل بكين مع قضية تغير المناخ وأفغانستان، فعلى الرغم من إن بكين تدرك الحاجة إلى اتخاذ إجراءات بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري ووافقت على وقف بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالفحم في الخارج، إلا إنها استخدمت منصة الأمم المتحدة للإعلان عن ذلك، بدلاً من الإعلان عنه ضمن إطار ثنائي مع الولايات المتحدة، مدركة إن الخيار الثاني كان سيعطي بايدن فرصة الفوز ببعض النقاط، وفيما يتعلق بأفغانستان، كان من الممكن أن تستجيب الصين لدعوة الولايات المتحدة للتعاون في مجال الاستقرار والمساعدات الإنسانية، ولكن بدلاً من ذلك، اختارت الصين التعامل من جانب واحد مع طالبان.

 

والعنصر الثاني هو إن النهج المجزأ الأمريكي يضعف اهتمام الصين بالتعاون التكتيكي الذي يمكن أن يفيدها في المقام الأول، فقد تم رفع مستوى التعاون عالياً للغاية.

 

ولا يمكن لأي من البلدين إجبار الآخر على قبول نهجه أو طريقته في العمل، وعليه، سوف تستمر حالة الجمود والركود السياسي بين البلدين. وإذا كانت الصين غير مستعدة للتعاون، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى التخلي عن تلك الاستراتيجية في نهاية المطاف، وسيدفع ذلك بالمنافسة والمواجهة بين البلدين إلى مستوى التصعيد، وقد لا تكون هي نفس المنافسة الصحية والمسؤولة التي يتصورها البعض.

يون صن هو مدير برنامج الصين والمدير المشارك لبرنامج شرق آسيا في مركز ستيمسون بواشنطن العاصمة.

 

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: