في أحد الأفلام بالأبيض والأسود والذي مدته سبع عشرة “17” دقيقة، وإنتاج عام 1954، ويحتفظ به متحف الحرب الإمبراطوري في لندن، هناك مجموعة من الصيادين نحيلي الجسد يرسون بقاربهم على أحد الشواطئ غير المعروفة في مكان ما بمحاذاة الساحل الخليجي المسمى بـ”إمارات الساحل المتصالح”،. وكان مركبهم الشراعي الصغير يعمل عن طريق شراع ثلاثي تقليدي، وكانوا يجمعون الأسماك التي يصطادونها في شباك مغزولة يدويًا.
وبعد مرور خمس وستون عامًا على إنتاج الفيلم والذي يحمل اسم “هناك إمارات الساحل المتصالح”، أصبح هناك وفرة طبيعية ونادرة من الأسماك بالنسبة لأشخاص يعيشون في الصحراء وتتسم حياتهم بالقسوة وعدم الاستقرار.
وكان اكتشاف النفط سببًا في تكوين اقتصاديات دول الخليج، حيث أراحهم من الاعتماد المباشر على صيد الأسماك والذي ظل ممتدًا لآلاف السنين. وكشفت عمليات التنقيب عن العظام في موقع بإحدى القرى التي يعود تاريخها إلى “8,000” عام في جزيرة مروح بإمارة أبوظبي عن نظام غذائي يعود إلى العصر الحجري وكان هذا النظام الغذائي غنيًا بالأسماك والأطوم والدولفين وسلحفاة البحر.
وفي الوقت الحاضر، وفي ظل نمو الاقتصاديات والسكان نموًا سريعًا في أنحاء العالم، اكتسب صيد الأسماك مرة أخرى أهمية متزايدة بالنسبة لجميع دول مجلس التعاون الخليجي. ولأن دول الخليج تفتقر إلى مصادر كافية للمياه العذبة والتربة المناسبة للزراعات الهامة وتربية المواشي، فإنها تعتمد على الواردات باهظة الثمن لتوفير معظم الأغذية. وتشكل الأسماك المصطادة من الخليج العربي مصدر الغذاء المحلي الأوحد والمنتشر على نطاق واسع في تلك الدول.
ولكن في الوقت الحالي، وبفضل مزيج من الصيد المفرط والتساهل مع إدارة مصائد الأسماك وتطوير السواحل بصورة متزايدة، يكون هذا المورد الفريد عرضة لخطر التبديد.
وفي يونيو من العام الماضي، تنبأت إحدى الدراسات التي أجرتها جامعة كولومبيا البريطانية في كندا بأن “تعدد الضغوط على الإنسان” ستؤدي إلى انقراض ثلث المخلوقات البحرية في مياه الخليج العربي مع حلول العام 2090. والأكثر عرضة للخطر هي تلك الأسماك التي تعيش في المياه قبالة المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، والسبب في ذلك يرجع الى “التأثيرات التآزرية” لتغير المناخ والتي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المياه وانخفاض مستويات الأكسجين، وتطوير السواحل والذي يؤدي إلى تدمير العديد من الأراضي الخصبة لزراعة “أشجار المنجروف” على سبيل المثال، والإفراط في صيد الأسماك وتحلية المياه.
وتزداد بوتيرة سريعة أعداد مصانع تحلية المياه في دول الخليج وذلك في ظل سعي تلك الدول لتلبية تزايد الطلب على المياه العذبة بمعدل يصل إلى “11%”كل عام. وفي عملية التحليل تُستخرج كميات كبيرة جدًا من المياه المالحة، مما يؤدي إلى ارتفاع تركيزات الملح في مياه البحر إلى مستويات لا تستطيع أجناس عديدة من الأسماك الحياة فيها.
أو بمعنى آخر، هناك شك في أن تبقى أسماك على قيد الحياة. وهناك دراسة نشرتها هيئة البيئة في أبوظبي الأسبوع الماضي والتي تشير إلى نتيجة صادمة وهي أن أكثر من “85%” من الثلاث أنواع سمكية الأكثر شهرة في مياه الخليج تتعرض للإبادة بسبب الإفراط في الصيد وبالتالي فإنها عرضة للانقراض، وهناك انخفاض مفاجئ في أعداد “200” نوع من الأسماك في مياه الخليج، فضلاً عن اختفاء بعضها فعليًا.
وتدرك دولة الإمارات المتحدة هذه المشكلة. ورغم أن القوانين في دولة الإمارات تحظر صيد الأسماك في موسم التزاوج، وتحدد حجم شبكات الصيد للسماح للسمك الصغير بالنضوج وبلوغ سن التزاوج، إلا أن المحاولات التي تهدف إلى تعليم الصيادين على التفكير المستديم تبدو وكأنها وبلا تأثير – حيث أظهرت المعاينات التي جرت الشهر الماضي أن “70%” من شباك الصيد المستخدمة لا تتوافق مع المعايير القانونية.
وليست دولة الإمارات العربية المتحدة الدولة الوحيدة التي تمارس الصيد في الخليج العربي. وهناك اتفاقيات لإدارة مخزون الأسماك لدى مجلس التعاون الخليجي، إلا أن استمرار الإفراط في الصيد، وخطط المملكة العربية السعودية لمضاعفة إنتاج الأسماك إلى ستة أضعاف – في ظل ما تتسم به دول الخليج من كبر عدد السكان والمسألة الأهم وهي أمنها الغذائي – لن يزيد الأمر إلا تعقيدًا.
وتمثل أزمة الأسماك عارضًا لمشكلة أكبر – وهي أن دول الخليج والتي لم تنعم بالمياه العذبة أو مصادر الغذاء، تنمو بسرعة متناهية، وما عجل بتلك المشكلة هو اكتشاف النفط. لأنه قبل اكتشاف النفط، كانت دول الخليج تمارس حياة قاسية تتسم بالتوازن والاكتفاء الذاتي. وفي ظل وجود لبن الماعز والجمال والتمر ومياه الآبار قليلة الملوحة، وبالطبع، الأسماك الوفيرة، فهذا دليل على أن مصادر الغذاء المتوفرة كانت لتكفي فقط عدد صغير من السكان المتنقلين والتي كانت ندرة الموارد تحول دون نموهم.
ومع ظهور النفط، شهدت دول الخليج تنمية سريعة، وارتفع فجأة عدد السكان، وزاد الطلب على الغذاء والماء وهو ما لا يمكن توفيره محليًا. وأقحمت دول الخليج نفسها في دوامة التنمية ويبدو أن الخروج منها غير ممكنًا. ولهذا يجب على دول الخليج الغنية الاستمرار في التنمية للمحافظة على اقتصادها المزدهر، ورغم ذلك، ستكون تلك الدول أكثر عرضة للاعتماد على الغذاء المستورد وتحلية مياه البحر غير المستدامة في نهاية الأمر.
ومن ناحية أخرى، تعيش دول الخليج خطر القضاء على مخزون الأسماك والذي كفل الحياة للأشخاص الموجودين على شواطئ الخليج على مر التاريخ، ومن مفارقات القدر أن هذا المخزون أصبح المصدر الغذائي الأكثر أهمية.
ومن الواضح أن جميع مظاهر تلك المشكلة المتشعبة يجب أخذها في الاعتبار دفعة واحدة، وأن تتعاون الدول مع بعضها بعضًا – وهو أمر غير محتمل في ظل التوترات القائمة بين إيران وبقية دول الخليج. ويستطيع سكان المنطقة في الوقت الحالي تعلم الكثير عن الاستدامة من خلال صيادو الأسماك الذين توقف بهم الزمن في الفيلم القديم بالأبيض والأسود، وأسلافهم السابقين الذين قضوا حياتهم في تناسق مع البيئة والثروات المحدودة التي تنعم بها عليهم.
AFP PHOTO/ESSAM AL-SUDANI