تُعقَد هذا عام الانتخابات في باكستان. ورغم أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت الاقتراعات ستُقام كما هو مخطط لها أم لا، بدأ الباكستانيون بالفعل في التصويت عن طريق مغادرتهم البلاد.

 

إنَّ ما شهده هذا الشهر من حادث الغرق المؤسف، الذي راح ضحيته أكثر من مائتي مهاجر باكستاني في قارب انقلب قبالة سواحل اليونان، يعكس هذا النزوح الجماعي المتنامي والمُهلِك غالبًا من باكستان.

 

وقد أفادت وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (فرونتكس) بأن عدد محاولات الباكستانيين غير الشرعية لعبور حدود الاتحاد الأوروبي زادت بأكثر من الضعف لتصل إلى 4684 خلال الأربع شهور الأولى من هذا العام مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2022.

 

لماذا يختار إذن الكثير من الباكستانيين القيام بهذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر؟ الأسباب عديدة، لكنها في الغالب اقتصادية. فالدافع الرئيسي لهجرة الباكستانيين، وفقًا لاستقصاء أجرته المنظمة الدولية للهجرة عام 2020، هو عدم وجود وظائف جيدة في باكستان.

 

ونظرًا لسوء أوضاع العمل، تدخر الأُسر الباكستانية 2.2 مليون روبية (حوالي 7700 دولار) لتهريب شاب معافى بدنيًّا إلى أوروبا لكي يجني ما يصرفه على الأسرة. وفي ظل ما يسفر عنه التضخم الكبير المستعصي (يبلغ حاليًا حوالي 40 بالمئة) من تراجع القوة الشرائية للأُسر الباكستانية، ازدادت قيمة الدخل المُكتسَب بالعملة الأجنبية.

 

بيد أن الهجرة غير النظامية للباكستانيين إلى أوروبا عن طريق البحر ليست بالظاهرة الجديدة. فبدأت أول موجة لها في نهاية عام 2010 مع تزايد الهجمات الإرهابية في باكستان واضطراب الاقتصاد. وبعد أعوام، زادت مجددًا محاولات الوصول إلى أوروبا، بل وإلى أستراليا أيضًا. وشملت هذه الموجة من المهاجرين شيعة فروا من تزايد العنف الطائفي.

 

من جانبها، التزمت الحكومة الأسترالية بسياسة عدم التسامح مطلقًا مع الهجرة غير النظامية، ونشرت إعلانات في الصحف الباكستانية تحمل رسالة غير ترحيبية بخط أحمر كبير: «لن تجعلوا أستراليا موطنكم. هذا مستحيل».

 

في المقابل، رد القادة الباكستانيين في الغالب بلامبالاة أو استهزاء على هذا النزوح الجماعي الخطير. ففي عام 2012، عندما سألت شبكة «سي إن إن» رئيس الوزراء آنذاك يوسف رضا الكيلاني عن سبب رغبة هذا العدد الكبير من الباكستانيين في مغادرة البلد، كان رده: «ولماذا لم يغادروا إذن؟ مَن الذي يمنعهم؟»

 

وقبل أيام فقط من المأساة الأخيرة، سخر وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف من المهاجرين الباكستانيين بوصفه إياهم أنهم أشخاص «يتخلون عن» وطنهم ولا يعودون إلا لدفن كبارهم وبيع ما وروثه من أملاك.

 

لطالما ضمت باكستان شبكات معروفة للاتجار بالبشر، ومنها شبكات في مدينتي غوجرات وجوجرانوالا الرئيسيتين. ويرجع استمرار هذه الشبكات جزئيًّا إلى البيئة المواتية التي هيئتها الحكومة الباكستانية لها من خلال غض الطرف عنها أو التواطؤ معها.

 

وقد زعم مؤخرًا مسؤول سابق في إحدى هيئات إنفاذ القانون الكبرى في باكستان أن بعض «العناصر الدخيلة» داخل المؤسسة تحمي شبكات الإتجار بالبشر. والاعتقالات السريعة التي قامت بها هيئات إنفاذ القانون الباكستانية للمهربين المرتبطين بمأساة اليونان ربما تدل على أن أولئك الأشخاص كانوا معروفين بالفعل للحكومة.

 

منذ السبعينيات، دعمت الحكومة الباكستانية الهجرة القانونية للأيدي العاملة، بما في ذلك الهجرة إلى منطقة الخليج. وكما يقول الاقتصادي الباكستاني البارز نديم الحق، كان أكبر صادرات باكستان على مدار العقدين أو الثلاثة عقود الماضية هو شعبها.

 

فتعاني باكستان من انخفاض صادراتها. وذلك لأن النخبة الصناعية التي تسعى وراء الريع تتربح من السياسات الوقائية في الوطن، وليس لديها ما يدفعها للمنافسة في السوق العالمي. ونتيجة لاستراتيجيات النمو القائمة على الاستهلاك التي تتبعها باكستان، تواجه الدولة أزمات متكررة في ميزان المدفوعات.

 

والحوالات التي يرسلها إلى باكستان المهاجرون الاقتصاديون، بما في ذلك مَن نجوا من رحلة البحر الخطيرة، توفر عملة أجنبية مهمة وتدعم في الواقع استهلاك النخبة الباكستانية.

 

هذا ولم يعد هروب الباكستانيين المتزايد إلى الخارج قاصرًا حاليًا على المهاجرين الفقراء غير النظاميين. ففي ظل معاناة الاقتصاد من الركود التضخمي وندرة الوظائف الجيدة، صار الكثير من الباكستانيين من شتى الخلفيات الاقتصادية يغادرون البلد.

 

وشأنها شأن العديد من الدول النامية، عانت باكستان من هجرة الكفاءات لعشرات السنين. ولكن هذه النزعة تزداد حدةً حاليًا؛ إذ يمثل المهاجرون الاقتصاديون ذوو المهارات نسبة متزايدة من الباكستانيين الذين يغادرون البلد، وارتفعت هذه النسبة من 1.2 بالمئة في عام 2011 إلى 6.5 بالمئة حاليًا. وإلى جانب مَن يعانون من فقر مدقع، يختار ميسورو الحال وأصحاب الشهادات العالية مغادرة باكستان بأعداد متزايدة.

 

ووفقًا لاستقصاء أُجري عام 2022، يرغب أغلب الذكور الباكستانيين ممن تتراوح أعمارهم من 14 إلى 34 عامًا في مغادرة البلد. واللافت للنظر بشكل خاص أن هذه المشاعر أكثر شيوعًا بين الأعلى في المستوى التعليمي والمنتمين إلى الطبقة المتوسطة العليا. وهذا يدل على خيبة أمل أوسع نطاقًا بالوضع الراهن الذي تعاني فيه باكستان من أزمة متعددة الجوانب تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية الناجمة عن تنحية رئيس الوزراء عمران خان العام الماضي.

 

ثمة دول مثل كندا ستستفيد من تدفق الأيدي العاملة الماهرة والمهاجرين المالكين لرأس المال. وسيؤسس أولئك المهاجرون بدورهم حياة سعيدة ومثمرة في مجتمع ناجح وديمقراطي وقائم على الكفاءات وبه مسار واضح للارتقاء الاجتماعي.

 

أما الهجرة غير النظامية إلى الاتحاد الأوروبي، فتجلب معها صعوبات لكلٍ من المهاجرين والدول التي تستقبلهم. ولكن هذه النزعة للهجرة ستستمر على الأرجح طالما استمر الاضطراب الداخلي في باكستان.

 

لهذا الاضطراب في باكستان عواقب تتجاوز حدود الدولة. فمع التزايد السريع في عدد سكان باكستان، الذي من المتوقع أن يزيد من 220 مليون نسمة حاليًا إلى 336 نسمة بحلول عام 2050، لا يمكن للعالم المتقدم أن يتحمل عواقب تجاهل المحنة الاقتصادية والسياسية في باكستان.

 

يُعَد الاستقرار في باكستان الحل الأمثل لدول الجوار وأوروبا. ولتحقيقه، ينبغي على الدولة إيجاد سبيل لتحقيق نمو اقتصادي عادل ومستدام وتهيئة بيئة سياسية تحمي الحقوق الأساسية.

 

عريف رفيق هو رئيس شركة «فزير كونسلتينج ذ.م.م.» التي تقدم استشارات حول المخاطر السياسية وتركز على منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو أيضًا باحث غير مقيم في «معهد الشرق الأوسط». تويتر: @arifcrafiq

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: