أسفر غزو أوكرانيا إلى نشوب حرب ليس فقط في ساحة المعركة، ولكن في مجالات التجارة والثقافة أيضًا، فمع توغل القوات الروسية في الأراضي الأوكرانية، توقفت الشركات العالمية عن ممارسة الأعمال التجارية في روسيا، وفي الوقت نفسه، دعت هيئات ثقافية مثل أكاديمية السينما الأوكرانية المجتمع السينمائي الدولي إلى مقاطعة الأفلام الروسية.
وبعد أيام قليلة من اجتياح دبابات فلاديمير بوتين للحدود الأوكرانية، تلقيت طلبًا للتوقيع على عريضة تدعو مهرجانات الأفلام إلى حظر الأفلام التي تنتجها روسيا، وطالبت من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام بإقالة “موسكو إنترناشونال فيلم” وأن يتوقف المنتجون والموزّعون عن العمل مع روسيا أو داخلها.
ولم يسعني بعد قراءة تلك العريضة إلا العودة بذهني إلى الفيلم القصير للمخرج الدنماركي الفلسطيني مهدي فليفل، “لقد وقعت على العريضة“.
وفي ذلك الفيلم، يفكر فليفل في قراره حول توقيع على عريضة تطالب مجموعة موسيقى الروك البريطانية العملاقة راديوهيد بإلغاء حفلتها في يوليو 2017 في إسرائيل، ووقعت أيضًا شخصيات بارزة مثل الفائز مرتين بالسعفة الذهبية كين لوتش.
و احتار فليفل في أمره بعد بضعة أيام، حيث شرع بالتساؤل عما إذا كان قد فعل الشيء الصحيح بالتوقيع على تلك العارضة، وهل فعل الصواب من خلال الإعلان عن دعمه لتلك المبادرة؟ وهل يريد الخوض في الحديث عن السياسة؟ وهل سيخلق توقيعه أي فرق؟
وقد حظي الالتماس الأوكراني بردود فعل مثيرة للاهتمام من قطاع صناعة الأفلام، حيث أعلن مهرجان ستوكهولم السينمائي أنه لن يختار الأفلام الروسية، وقدمت مهرجانات أخرى عروض خاصة للأفلام الأوكرانية تضامناً معها، وسحب مهرجان غلاسكو السينمائي فيلمين روسيين وهما “لا للنظر إلى الوراء” وهو فيلم كوميدي تشاؤمي عن الجريمة من إخراج “كيريل سوكولوف” وفيلم الإثارة “الإعدام” من إخراج “لادو كفاتانيا”.
وكان هناك ردود فعل معارضة من على وسائل التواصل الاجتماعي ضد قرار غلاسكو، حيث حاج البعض أن سحب الأفلام يشير إلى أن المهرجان اعتبر هؤلاء المخرجين الروس عملاء لبوتين، يروجون للدعاية الروسية.
وقد شعر فريق مهرجان غلاسكو السينمائي بالحاجة إلى توضيح أسباب سحب تلك الأفلام الروسية، حيث لم يكن ذلك بسبب جنسية المخرجين، ولكن لأن “كلا الفيلمين تلقيا تمويلًا حكوميًا عبر صندوق السينما “سي أف” الذي يضم مجلس أمناءه الوزراء الحاليين للحكومة الروسية ووزارة الثقافة الروسية.”
وصرح مهرجان كان السينمائي أن الأفلام الروسية المقدمة إلى المهرجان سيتم الحكم عليها كل حالة على حدة، فلن يتم دعوة الوفود الرسمية الروسية للحضور، ولا أي شخص مرتبط بالحكومة الروسية، وفي الجانب الآخر، أشاد المهرجان بشجاعة “الفنانين والسينمائيين الروس الذين لم يتوقفوا أبدًا عن النضال ضد النظام الحالي، وعليه لا يمكن ربطهم بتلك الأعمال العدائية والوحشية”.
كما اتخذت المهرجانات الأخرى مثل مهرجان البندقية ومهرجان سان سيباستيان مسلكا مشابهًا لمهرجان كان، والذي سلط الضوء على مشكلة الحظر الشامل، فإذا تم استبعاد الجميع، فسيتم تكميم أفواه بعض من نريد دعمهم، وليس من السهل دائمًا معرفة أين نضع الخط الفاصل ما بين الصح والخطأ، وهناك دائمًا استثناءات تعارض أي قاعدة عامة يتم وضعها.
ويمكن أن يكون لتلك الدعوات الخاصة بإجراء خطوات عملية عواقب غير مقصودة، فقد استقال “سيرجي لوزنيتسا” وهو صانع الأفلام الأوكراني الحائز على جائزة “دونباس” من عضويته في أكاديمية السينما الأوروبية لأنه شعر أن بيان الاتحاد الأوروبي للسينما الذي دان روسيا لم يكن شديد اللهجة بما فيه الكفاية، ورد الاتحاد الأوروبي للسينما بمنع الأفلام الروسية من المنافسة في جوائز هذا العام.
ثم حاجج المخرج “لوزنيتسا” ضد الحظر التام للفنانين الروس، حيث قال: “يجب ألا نحكم على الأشخاص بناءً على جوازات سفرهم، بل على أفعالهم”. وبناء على ذلك الموقف، تم طرد المخرج الآن من أكاديمية السينما الأوكرانية.
وقد أتفق مع تصريح المخرج “لوزنيتسا” بشأن جوازات السفر، ولكن بعد ذلك أسمع أيضًا نداءات الآخرين في قطاع السينما الذين تتعرض منازلهم للتهديد، فقد قال “أندريه خالباخشي” وهو مدير مهرجان مولوديست السينمائي الدولي ومقره كييف: “إن الطريقة الوحيدة لتغيير النظام الفاشي الروسي بقيادة بوتين هي العزلة الكاملة للمجتمع الروسي وعزل الثقافة والرياضة الروسية”.
أضف إلى ذلك رسائل من الأشخاص في قطاع السينما الذين أعرف أن أسرهم يتعرضون لخطر أو لملامح الألم المرسوم على وجه عامل النظافة، الذي قرر شقيقه الانضمام إلى الجيش الأوكراني، وكل ذلك يجعلني أتساءل عما إذا كان يجب علي التوقيع على العريضة وأحسم أمري. لكن هل سأشعر بعد ذلك بالندم، كما شعر بطل الفلم فليفل؟
وبصورة عامة تسلط العريضة الضوء على مدى تأثير الفن في خلق التغيير، وتدعو العريضة إلى التشكيك في سلوكنا وأفعالنا الفردية التي يمكن أن تمارس الضغط، حتى على واحدة من أقوى الحكومات في العالم. لذلك أنا سعيد لوجود تلك العريضة، حتى لو كانت لدي شكوك حول قضية الحظر الشامل، فالأصوات الفردية المعارضة مهمة أيضًا، وغالبًا ما يجد صانعو الأفلام طرقًا لرواية قصصهم في أصعب الظروف.
وعلى المرء فقط النظر إلى العدد الكبير من صانعي الأفلام الإيرانيين الذين تمكنوا من التعبير عن معارضتهم من خلال أفلامهم، فالبعض، مثل جعفر بناهي، استمر في مشواره الفني، حتى بعد اعتقاله أو منعه من إخراج الأفلام، وتوفر أفلام “عباس كياروستمي” ومؤخراً “أصغر فرهادي” نافذة على إيران وبعض أشكال المعارضة والاضطرابات هناك، وتلك الأعمال لا تقدر بثمن لأنها تحسن من فهمنا للمشهد الداخلي للبلد، لا سيما أنها أصوات من الداخل.
وبالطبع يجب أن يتم أخذ إجراء ضد الأفلام التي تعكس دعاية النظام، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك الإجراء على حساب المخرجين الذين ينتقدون أنظمتهم، ولست متأكدًا من أن العريضة التي طُلب مني التوقيع عليها تميز بين كلا الجانبين بدرجة كافية. ولكن في كل صباح عندما أشاهد الأخبار وأرى الحرب مستمرة، أجد نفسي مضطرًا للتساؤل: هل اليوم هو اليوم الذي أوقع فيه على تلك العريضة؟
كليم أفتاب هو ناقد سينمائي ومؤلف سيرة “سبايك لي: هذه قصتي وأنا متمسك بها” ومدير البرمجة الدولية لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.