عادا لرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو الذي قضى أطول مدة على كرسي السلطة، ليحكم البلد لخمس سنوات أخرى. والسؤال هو، يقودها إلى أين؟
سيحتار المؤرخون يوما ما حول ماهية “الأردوغانية” – وما تعنيه بالنسبة لتركيا – ولكن من الواضح أن أردوغان لديه موهبة السياسي في المواقف الحرجة. لقد تلاشت أيام “لا مشاكل مع الجيران” أو التطلع في مرحلة ما بعد الربيع العربي لدعم الحماسة الثورية. وفي أحد الأيام القادمة، قد يقوم أردوغان برحلة إلى دمشق. وما الذي قد يحمله نصف العقد المقبل لتركيا؟ فهل يستطيع كما كان يأمل العديد من السياسيين الأوروبيين أن يقود البلاد إلى نوع من الأرثوذكسية، وهي “مسار عقلاني” سياسي واقتصادي؟
ولنبدأ بالاقتصاد، حيث يستخدم مصطلح الأرثوذكسية أو بالأحرى، كما ينطبق على وجهات نظر أردوغان الاقتصادية، “غير التقليدية”. ولطالما كان أردوغان مؤيدا للرأي القائل بأن خفض أسعار الفائدة يؤدي إلى خفض التضخم، وهو عكس ما يسمى عادة بالاقتصاد التقليدي. (وهذا هو السبب في أن اقتصادات مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، التي تكافح مع التضخم الذي يزيد من الأسعار، رفعت أسعار الفائدة مرارا وتكرارا بدلا من خفضها).
وكان مراقبو الوضع في تركيا سعداء برؤية محمد شيمشك يعود وزيرا للمالية، وهو وزير المالية السابق حتى عام 2015، عندما بدأ أردوغان تجاربه الاقتصادية غير التقليدية، وقال شيمشك في أول تصريحات له الأسبوع الماضي إن تركيا ستعود إلى “مسار عقلاني”. وتلك أخبار سارة للعالم الخارجي. صحيح أن أردوغان قال أيضا في خطابه الأول بعد أداء اليمين الدستورية إن “التضخم سينخفض” – لكن هذا كان بعيدا بما يكفي عن ادعائه، قبل الانتخابات، بأنه سيستمر في خفض أسعار الفائدة لإعطاء المستثمرين الأمل.
ماذا عن سياسة تركيا الخارجية إذن؟ الشيء الوحيد الذي لن يتغير هو أزمة اللاجئين السوريين، التي، مع استمرار أردوغان في السلطة، سوف تتأرجح بنفس الوتيرة تقريبا، وربما تتسارع قليلا إذا تمكن من إقناع دمشق بالمشاركة. ما لن يحدث، كما تعهد خصمه قليجدار أوغلو خلال الحملة الانتخابية، هو الترحيل الجماعي لملايين السوريين. وهذا، على الأقل بالنسبة للزعماء الأوروبيين الذين يخشون موجة أخرى من الهجرة، يعتبر سلوك عقلاني.
ولن تكون هناك أي محاولة للعب الدور أو استعادة الدور القيادي في الشرق الأوسط الكبير، اعتمادا على المنظور التاريخي للقارئ. لقد غادر الحماس الثوري عواصم الشرق الأوسط، وحل محله التوق إلى التعاون الاقتصادي الهادئ وإنهاء حروب المنطقة. وسيعود أردوغان، الذي يحرص بالفعل على التودد إلى الرياض، إلى عواصم الخليج قبل نهاية العام.
وستصبح الأمور أكثر تعقيدا فيما يتعلق بالعلاقات مع الغرب، وسيعتمد الأمر على ما يعنيه نهج السياسة الخارجية “الأرثوذكسية”.
وتعد محاولة السويد الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي مثالا جيدا على ذلك. فعندما طلبت فنلندا والسويد الانضمام إلى التحالف لأول مرة قبل أكثر من عام بقليل، وافق جميع الأعضاء تقريبا، وكانت تركيا الرافض الوحيد، حيث استغل أردوغان الفرصة للتفاوض مع ستوكهولم بشأن ما تعتبره موقفا متساهلا تجاه الجماعات المسلحة الكردية.
وحدث الشيء نفسه في الحرب في أوكرانيا، الذي كان انضمام السويد نتيجة لها، ومرة أخرى، توقع حلف شمال الأطلسي أن تحذو تركيا حذو الغرب وتصطف ضد روسيا. وبدلا من ذلك، اتبعت تركيا نهجا أكثر استقلالية، وامتنعت عن فرض عقوبات على روسيا بينما زودت أوكرانيا بطائراتها العسكرية القوية بدون طيار.
ومن أحدى الجوانب، كان لذلك النهج الكثير من الفوائد، حيث تفاوضت تركيا على صفقة حبوب مع روسيا سمحت لأوكرانيا بتصدير القمح والذرة والشعير، مما وفر لكييف شريان حياة خلال الحرب، لكن هذا الانتصار الدبلوماسي كان على حساب الوقوف إلى جانب حلفائها في الناتو.
هذا الاستقلال، أو على الأقل البحث عنه، هو أقرب شيء إلى الأردوغانية في السياسة الخارجية.
هذا ما حجبه الحديث عن عودة الميول العثمانية في كثير من الأحيان، حيث أن تركيا الآن، وهي تستعد للقرن الثاني بعد الاستقلال، ليست دولة إمبراطورية تبحث عن إمبراطورية المفقودة، وليست أيضا مجرد دولة أوروبية أو آسيوية.
وفي عهد أردوغان، تطمح تركيا إلى أن تكون دولة مستقلة، قادرة على البقاء جزءا محوريا من حلف شمال الأطلسي مع الحفاظ على العلاقات مع روسيا، وقادرة على السعي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي مع توسيع نفوذها في الشرق الأوسط.
إذا كانت السياسة الخارجية “الأرثوذكسية” تعني ببساطة اتباع ما تقرره العواصم الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، فمن المؤكد أن تركيا لن تتبع ذلك المسار.
ولذلك الاستقلال وجهين مختلفين، فما يسميه أردوغان حرية التصرف، يسميه آخرون عدم القدرة على التنبؤ، وحيث يسعى إلى عقد صفقات مخصصة، يسعى آخرون إلى تحالفات مستقرة.
وبينما تستعد البلاد وجيرانها لخمس سنوات أخرى من رئاسة أردوغان، وتلك هي الحقيقة الثابتة الوحيدة، قد تسلك تركيا، التي ينظر إليها من الخارج، في بعض الأحيان على أنها تأخذ المسار العقلاني – لكن المسار الوحيدة هو الاستقلال.
يكتب فيصل اليافعي حاليا كتابا عن الشرق الأوسط وهو معلق دائم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. وقد عمل في قنوات إخبارية مثل الجارديان وبي بي سي، ونشر تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.
تويتر: @FaisalAlYafai