بحسب قول رئيس الوزراء البريطاني في فترة ما بعد الحرب، “هارولد ماكميلان، غالبًا ما تنشأ السياسات الكبرى من أبسط الظروف والتي يشكلها “الأحداث، يا صديقي، نعم انها الأحداث”.

وهذا ما يحدث مع دولة الجزائر، حيث تبوأ رئيس الوزراء الأسبق، عبد المجيد تبون”، الأسبوع الماضي منصبه كأول رئيس جديد للبلاد منذ عقدين. وبعد أيام معدودة، رحل عن عالمنا فجأة رئيس أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، مهندس هذه الحقبة الجديدة في الجزائر، والرجل الذي حمل القائد “عبد العزيز بوتفليقة” على الاستقالة من منصبه في وقت سابق من هذا العام بعد فترة طويلة من الحكم، ثم أسرع في إجراء الانتخابات التي أتت بـ”عبد المجيد تبون” إلى سُدة الحكم رغم الاحتجاجات الجماهيرية.

وفجأة، أصبحت الجزائر مختلفة بعد وفاة “قايد”، والسبب ليس لأن الجيش أصبح بلا قائد بعد وفاته – وهو المنصب الذي تم شغله بسرعة – ولكن لأن “تبون”، والذي ظهر الأسبوع الماضي فقط وكأنه دمية في يد الجيش، لديه الآن فرصة لتحديد مصيره. لقد منحته الأحداث فرصة لتغيير الديناميكية السياسية في الجزائر. ويعتمد اغتنام “تبون” لتلك الفرصة على كيفية تعامله مع مجموعات الضغط المتنافسة.

لقد فشلت الانتخابات التي جرت هذا الشهر في إنهاء الاحتجاجات التي استمرت أحد عشر “11” شهرًا. كما أن وفاة “قايد صالح” بشكل مفاجئ في نهاية عام مضطرب قد مهدت الطريق للخروج من أخطر أزمة سياسية تشهدها البلاد منذ الحرب الأهلية.

وبالرغم من المقاطعة الواسعة للتصويت، قال “تبون”، إن انتخابه قد منع “سقوط الدولة ومؤسساتها”. وقد صور بوتفليقة نفسه كضامنٍ للاستقرار، والمنسق بين أجهزة السلطة المختلفة – الجيش، والمخابرات، والشركات الكبرى، بصفته رئيسًا.

وفي عام 2013، كلف “بوتفليقة” قائد أركان جيشه بمهام الحد من سلطة أجهزة المخابرات، وكان “قايد صالح” هو من حمل رئيس المخابرات، محمد “توفيق” مدين، على التقاعد أولاً، ثم الزج به إلى السجن لمدة خمس عشرة “15” سنة، في وقت مبكر من هذا العام. وكان استخدام أحد أجهزة السلطة للحد من صلاحيات السلطات الأخرى هي الطريقة التي ظل فيها “بوتفليقة” على كرسي الحكم لفترة طويلة.

ومع خروج “قايد صالح” من المشهد، يمكن للرئيس الجديد استعادة هذا الدور مرة أخرى. لقد أمضى الجيش الأشهر الثمانية الماضية، منذ تنحي “بوتفليقة”، في إرسال شخصيات قوية إلى السجن، لتهدئة الاحتجاجات في الشوارع بحسب الظاهر، ولكنه في الواقع للتخلص من المعارضة. ويستطيع “تبون” ترجيح كفة الجانب الآخر واستعادة سلطة الرئاسة.

وكما هو الحال مع معظم أولئك الذين مارسوا سلطة حقيقية في الجزائر، فلا يوجد الا معلومات قليلة فقط عن “سعيد شنقريحة”، وهو الرجل الذي حل محل “قايد صالح” كقائد للجيش. وحاول الجزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي معرفة الكيفية التي قد يؤثر بها تعيين “سعيد” على حركة الاحتجاج. غير أنه ليس من الأهمية في الوقت الراهن معرفة هذه الكيفية.

وعلى مدار “15” خمسة عشر عامًا قضاها “قايد” كقائدٍ للجيش، كانت سيطرته على المؤسسة العسكرية، وفهمه للاعبين السياسيين لا مثيل لها. إن “شنقريحة” حديث عهدٍ بالمنصب، وفي السبعينات “70” من عمره، وبذلك ستكون قدرته على التأثير في الأحداث محدودة. والوقت الراهن هو الأنسب “لتبون” لتعيين شخصية موالية له، والحد من سلطة الجيش، إذا كان هذا هو المراد.

وهناك معضلة أمام الرئيس الجديد وتتمثل في أن حركة الاحتجاجات والملقبة بـ”الحراك” أصبحت الآن مصدر السلطة الرابعة والفعالة. ولم تندمج الحركة بعد مع أي قوة سياسية، لكنها أثبتت قدرتها على التحمل من خلال بقائها لمدة أحد عشر “11” شهرًا، على الرغم من تعرضها للقمع الرسمي، والاعتقالات واسعة النطاق. وقد تكون قوة “حراك” مؤقتة، لكنها بدون هيكل تنظيمي محدد – فمن ثم لا يمكن معرفة قادتها، أو الفئة المجتمعية التي تمثلها – مما سيجعل تفكيكها أمرًا في غاية الصعوبة.

وقبل الانتخابات، وضعت الحكومة ثقتها في “الأغلبية الصامتة”. ورفض المتظاهرون الانتخابات باعتبارها “حفلة تنكرية” لإبقاء الحرس القديم في السلطة، ومن ثم قاطعوها. وكانت نسبة المشاركة هي الأدنى في التاريخ الحديث (وعلى أي حال، كانت نسبة المشاركة في ظل حكم “بوتفليقة” دائمًا مبالغ فيها بشكل مصطنع)، ومع ذلك، حدثت الانتخابات، وكذلك التنصيب. ولا يمكن لأي من الطرفين أن يدعي تفوقه على الآخر. ورغم أن المتظاهرين أطاحوا برئيسٍ، إلا أن الجيش مارس ضغوطه لإجراء الانتخابات.

 

واليوم، بات أمام “تبون” ثلاث خيارات، إما تعزيز سلطته، وتوجيه الأوامر لقواته لإنهاء المظاهرات، أو التفاوض مع المتظاهرين، غير أن هذا من شأنه أن يمنحهم مصداقية، وربما يضع أمام “تبون” مطالب لا طاقة له بها، مثل حل أجهزة الاستخبارات، أو يفعل ما كانت الحكومة تفعله منذ شهور، وهو الترصد للاحتجاجات، ومنع المزيد والمزيد من الناس من السفر إلى العاصمة على أمل أن يتلاشى “الحراك” في نهاية المطاف. ومن المفارقات أن تلك الخطوة ستكون الإستراتيجية الأخطر على الجميع، لأنها ستمنح الحركة الوقت اللازم لتكون قوة سياسية بجانب القادة السياسيين.

 

ومع رحيل “قايد صالح”، هناك الآن خيارً رابعًا، وهو: استبدال قائد الجيش بشخصية أضعف موالية له، والتفاوض مع “الحراك”، مع الإبقاء على التهديد بممارسة القمع الشامل، وإجبار تنظيمات القوى المتنافسة على قبول بعض التغيير – ربما دستورٍ جديد – في مقابل وضع حد للاحتجاجات المستمرة في الشوارع على مدار عام.

ولن يسعد أحد بهذه التسوية. ورغم أن التسوية أفضل من الفتات الذي عرضه الجيش، لكنها لا تلبي التغيرات الشاملة التي يريدها المحتجون. وبدون أن يحصل “الحراك” على تنازلات، ستستمر الاحتجاجات. وإذا حصل الشارع على الكثير من التنازلات، فسيتمكن الجيش من عزل “تبون”.
واليوم، بات على الرئيس الجزائري الجديد أن يسلك مسلكًا صعبًا – وهي مهارة يتقنها سلفه على مدار عقدين من الزمان، غير أنها قد تحميه من سقوطٍ كارثي.

 

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان”.

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: