بعد سبعة عشر عاماً من ما ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية من أعمال فادحة في حرب العراق عام 2003، استعادت أمريكا سحرها. حيث كان يُعتقد سابقًا أن واشنطن لن تجرؤ على اغتيال قائد قوات القدس الإيراني قاسم سليماني. إلا أنها لم تفعل ذلك وحسب، بل وفقًا لرد طهران، امتد الأمر إلى تمكن أمريكا من تحييد قدرة إيران على شن حرب على صعيد غير دولي. و في حال توافق المؤشرات، ستكون التداعيات هائلة فيما يتعلق بحروب الوكالة الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة.

و لنعلم مدى خطورة ذلك، يجب علينا تفهم ما الذي فعلته إيران و ما الذي لم تفعله. فقد فقدت إيران عقلها المدبر للحرب المتباينة وعليها أن تثأر لحقها لكن إيران في مأزق كبير؛ فإذا قاموا بمهاجمة الأمريكيين دون أن يعلنوا مسؤوليتهم، فلن يكون ذلك بمثابة انتقام. وإذا قامت طهران بقتل الأميركيين علانية، فسوف تكون عرضة لخطر إثارة غضب الولايات المتحدة وشن حرب واسعة النطاق يمكن أن تدمر البلاد، التي أُصيب اقتصادها بالشلل وضعف النمو بسبب العقوبات الامريكية التي فرضت عليها.

وقد اختارت طهران أن تثأر لحقها علانية إلا أن ردها كان مقيدًا ومنظمًا وشبه مسرحي. حيث كُلف وزير شئون خارجيتها جواد ظريف بشن هجمة فورية على الأمريكيين بالتزامن مع فترة الذروة التي يشاهد فيها الأمريكيون التلفاز. ومع ذلك، يعتبر ظريف، رغم كل ما فعله، أمريكيًا فقد درس و عاش سنوات عديدة في الولايات المتحدة كما كان ممثل إيران الدائم لدى الأمم المتحدة.

بعد فترة وجيزة من الهجمات الصاروخية على القواعد الأمريكية في العراق، أصبح من الواضح أن “الانتقام” الإيراني تعدى أكثر من كونه حيلة علنية لقطع العلاقات. حيث قام ظريف بنشر تغريدة تصف موقف إيران الرسمي من تلك الهجمات الصاروخية مشيرًا إلى أنها عبرت عن رد إيران “المتناسب”.

كان بإمكان ترامب استخدام ذلك الهجوم الصاروخي كذريعة لإرسال قاذفات بي 52 على إيران. لكنه أنهى الأمر. وعم إيران الشعور بالراحة و الانتصار. و كان من الواضح أن إيران قد تفهمت خطوط ترامب الحمراء بشكل صحيح: فلن تراق الدماء الأمريكية. كان باراك أوباما محقًا – ليس لتوقيعه معاهدة نووية مع إيران ، ولكن لإدراكه أن النظام استجاب بشكل صحيح للحوافز الخارجية. وعندما أظهر أوباما ضعفه، توسعت إيران. عندما استعرض ترامب قوة أمريكا، مسحت إيران جراحها.

لقد تسبب ترامب في قيام إيران بهزيمته فلم يصدر من أمريكا أي رد فعل انتقامي حين قامت إيران بمهاجمة ناقلات النفط الإقليمية والمنشآت النفطية السعودية، وإسقاط طائرة أمريكية، “وخلصت إيران إلى أن ترامب كان يهدد وحسب،” وفقًا لما قاله كريم سادجادبور ، أحد كبار زملاء مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

في الواقع ، أصبحت إيران غير مبالية لتلك التهديدات، ففي اليوم السابق لقتل واشنطن سليماني، استهان المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بتهديدات ترامب المختلفة. وقال الخامنئي في تغريدة له “لا يمكنك فعل أي شيء ” ردًا منه على ما قاله ترامب عن مسؤولية إيران عما حدث في بغداد و أن أمريكا سوف ترد علي تلك الأحداث. فبعد ذلك بيوم واحد ، قتلت طائرة أمريكية بدون طيار سليماني.

بالنظر إلى حياته المهنية الطويلة، ربما أدرك خامنئي على الفور أن ترامب قد غير قواعد استراتيجيته، وبالتالي بدأ في تجهيز رد إيران. حيث انعقد البرلمان العراقي، لكنه لم يبلغ النصاب القانوني، حسبما أوضح بلال وهاب من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. غير أن المشرعين لم يهتموا بهذه الأمور الفنية البحتة، وصوتوا مع ذلك على قرار غير ملزم يوصي بانسحاب القوات الأمريكية من العراق – وهو ما وصفته الدعاية الإيرانية وبعض وسائل الإعلام الأمريكية وغيرها من وسائل الإعلام بأنها مطلب إلزامي من الحكومة العراقية.

بعد ذلك ، حاولت وسائل الإعلام الإيرانية ،و بعض وسائل الإعلام الأمريكية والدولية ، تصوير سليماني كشخصية شعبية في العراق، رغم أن العراقيين يحتجون على إيران وميليشياتها. حيث زعمت الدعاية الإيرانية وصحيفة أمريكية يومية أن جنازة سليماني شهدت مشاركة أكثر من مليون مشيع. كما أشار الخبراء الذين فحصوا الصور الجوية للحشود أن عدد الحضور بلغ 90000 على أقصى تقدير.

وأخيراً جاءت الصواريخ التي لم تسقط في مكان معين، وتحمل رسالة إيرانية رسمية تقول إن طهران قد انتهت من ردها. ثم أصرت الدعاية الإيرانية على أن الهجوم أسفر عن مقتل 80 جنديًا أمريكيًا وجرح 200، وأن أمريكا كانت تخفي الأخبار – وهو أمر مستحيل في بلد يتم فيه الإعلان حتى عن نصوص المكالمات الرئاسية للزعماء الأجانب.

قتل ترامب سليماني ولم تستطع إيران الانتقام، ولا حتى باستخدام حلفائها. خلال العقد الماضي، اكتسبت أمريكا خبرة كافية في كيفية التعامل مع الجهات الفاعلة غير الحكومية مع الحفاظ على الحد الأدنى من الخسائر الأمريكية و مثال ذلك هزيمة داعش وقتل زعيمها، البغدادي.

ويعد التخلص من قائد الحرب المتباينة الآن مثالًا آخرًا. وستكون الخطوة التالية هي معرفة كيف يؤثر هذا الأمر على الحروب التي تخوضها إيران مع الدول المجاورة لها. و هناك دلائل مبكرة تشير إلي ردة فعلها العاجزة تقريبًا على وفاة سليماني أن قدراتها قد انخفضت الآن بشكل كبير.

حسين عبد الحسين يعمل رئيسًا لمكتب واشنطن التابع لصحيفة الرأي الكويتية اليومية وزميل زائر سابق في تشاتام هاوس في لندن.

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: