بعد أربعة أشهر من لجوئه للفصل 80 من الدستور، وبعد ذلك تطبيقه “للأحكام الاستثنائية” التي وضعت بين يديه معظم من السلطات التنفيذية والتشريعية، يسعى قيس سعيد إلى التوفيق بين رؤاه السياسية والواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تمر به البلاد.
منتقدو الرئيس التونسي في الداخل والخارج لا يخفون عدم ارتياحهم لتولي سعيد سلطات واسعة دون أية قيود تقريباُ. إثر تعليقه لأنشطة البرلمان أضحى سعيد يحكم بناء على ما يصدره من مراسيم رئاسية. ومن غير المحتمل أن يلاقي أي اعتراض على قراراته من قبل رئيسة الحكومة الجديدة نجلاء بودن . فهو ، بناءً على “التدابير الاستثنائية” التي أصدرها في 22 سبتمبر، يعين أعضاء الحكومة ويحدد “توجهاتها واختياراتها”، فيما يتولى رئيس الحكومة “تنسيق أعمالها” في نطاق تنفيذ الاختيارات الرئاسية.
يعرف سعيد بكل تأكيد أن الرأي العام يتابع كل مبادراته عن كثب ويريد أن يعرف إن كان بإمكانه تحقيق وعوده وطموحاته المعلنة. وقد أظهر استطلاع للرأي أن هامش شعبية الرئيس قد تقلص خلال شهر واحد بنسبة 10 في المائة. وحل اتجاه عام نحو الحذر محل التفاؤل غير المشروط.
غير أن سعيد مازال رغم ذلك يتمتع بثقة ما لا يقل عن 66 في المائة من الرأي العام. وإذا كان لا يواجه معارضة كبيرة في الداخل فلأن أغلبية التونسيين يرفضون مجرد التفكير في العودة لوضع ما قبل 25 يوليو، عندما كانت حركة النهضة الإسلامية تمسك بخيوط اللعبة في البرلمان وكان جناحا السلطة التنفيذية في شلل دائم نتيجة التأويلات المتناقضة للصلاحيات الدستورية بينهما.
لا يبدو اليوم أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية يمكن أن تنتظر طويلا قبل أن تطفو على الساحة، مهما كانت خيارات سعيد وقراراته. فقد أظهرت آخر الأرقام أن نسبة البطالة قد ارتفعت إلى 18 بالمائة وبلغت مستوى غير مسبوق لدى الشباب يتجاوز 42 بالمائة. ومن غير الواضح هل ستستطيع نجلاء بودن، عالمة الجيولوجيا التي أصبحت أول امرأة تترأس الحكومة في تونس والعالم العربي، الاستجابة للمطالبات الاجتماعية في نفس الوقت الذي تحاول فيه التخفيف من الضغوطات المالية التي تواجه البلاد .
تحدثت بودن بعد تنصيبها الشهر الماضي عن جملة من الأهداف تريد تحقيقها ولكنها لم تقدم برنامجاً تفصيلياُ لأجنداتها، وإن كان إنعاش الاقتصاد سيكون بدون شك المحور الأساسي لعملها.
ورث سعيد ورئيسة حكومته جملة من الأعباء الثقيلة من بينها البطالة والركود الاقتصادي وارتفاع مستوى الدين وتلوث المحيط. تركت الحكومات السابقة كل هذه المشاكل تتفاقم وتتعفن سواء نتيجة انعدام الكفاءة أو غياب الإرادة السياسية أو الاثنين معا.
في أول اصطدام له مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، اضطر سعيد لإبلاغ أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل أنه سوف يعترض على تفعيل القانون الصادر سنة 2020 والذي يسمح بتوظيف خريجي الجامعات العاطلين عن العمل منذ أكثر من 10 سنوات. وعد سعيد هؤلاء الخريجين المحتجين على بطالتهم بإنشاء شركات أهلية تساعدهم على تحسين أوضاعهم. ولكن وعوده لم تكن كافية لإثناء أصحاب الشهادات الباحثين عن شغل عن وقف حركاتهم الاحتجاجية.
سيكون الامتحان الحقيقي بالنسبة لسعيد هو مدى قدرته على تأمين ما يكفي من الموارد المالية من أجل تلبية احتياجات موازنتي 2021 و 2022. وكان البنك المركزي التونسي قد دعا الحكومة عشية تشكيل حكومة بودن إلى اتباع دبلوماسية مالية نشيطة من أجل إقناع المانحين الإقليميين والدوليين بمساعدة تونس. ولن يكون ذلك سهلاً سواء كانت المساعدة المطلوبة ممنوحة بشروط أو بدونها.
كما أن معالجة أوضاع الاقتصاد سوف تعني بالضرورة إدخال إصلاحات مؤلمة لم تتجرأ عليها أي من الحكومات السابقة. فالحكومة إذا أرادت تحقيق توازن مالي حقيقي سوف تحتاج إلى القطع مع برامج الإنفاق الكبيرة وتقليص المساعدات المالية التي تمنحها للمؤسسات المملوكة من الدولة و تخفيض الإنفاق على الوظائف الحكومية. وسوف تجد نفسها مرغمة على مراجعة برامج الدعم الحكومي لأسعار الوقود والنقل والمواد الضرورية. وكل هذه الإجراءات لن تكون إجراءات شعبية البتة. وليس من المؤكد إن كان رصيد سعيد من الشعبية كافياً لامتصاص التململ الذي سوف تثيره مثل هذه القرارات.
في هذا الإطار حاولت نجلاء بودن طمأنة اتحاد العمال ذي التأثير الكبير في البلاد باستعداد الحكومة الإيفاء بكافة التزاماتها فيما يخص أجور ومخصصات العمال. ولكن لا أحد يعلم من أين ستأتي الموارد اللازمة لذلك. كما لا يمكن التنبؤ بمصير علاقة السلطات بالنقابات. فقد كانت مواقف سعيد تجاه اتحاد الشغل متذبذبة منذ استبعاده للنقابات و الأحزاب في المشاورات السياسية الهامة. ولكن المكالمة الهاتفية التي أجراها سعيد منذ أيام مع الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي قد تكون مؤشرا على استعداده لتحيين مساره على الأقل تجاه النقابات.
لم يغير تشكيل الحكومة من ضبابية المشهد السياسي. فقد رفض سعيد لحد الآن وضع سقف زمني للأحكام الاستثنائية الجاري بها العمل واعتماده على إصدار المراسيم الرئاسية كطريقة للحكم، حتى وإن كان أخبر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بأن البلاد تستعد “للخروج من الوضع الاستثنائي إلى الوضع العادي” خلال “المراحل القادمة”.
اغتنم قيس سعيد فرصة فترة استمرار شعبيته في الظرف الراهن للإعلان عن عزمه على تقديم رؤيته للإصلاح السياسي إلى “استفتاء عبر الإنترنت”، على الأرجح هو يراهن على الموافقة عليها بأغلبية ساحقة. لم يتم الإعلان عن تفاصيل الاستفتاء ، لكن من المعروف أن سعيد يفضل النظام الرئاسي والتأكيد على السياسة المحلية. لم يكشف سعيد النقاب عن أي خطط واضحة لإجراء انتخابات مبكرة ، لكن بعض أنصاره يطالبون بالفعل بحزب سياسي موالٍ له.
ويصف سعيد المرحلة القادمة “بمرحلة تحرير وطني” من الفساد والتدخل السياسي في القضاء و انعدام العدالة الاقتصادية. ولكن ارتيابه من الأحزاب السياسية ورغبته في إرساء “نظام ديمقراطي” بنفحة قاعدية “يملك فيه الشعب الشرعية الحقيقية” قد يعني تواصل فترة الغموض السياسي ولو إلى حين.
سوف يحتاج سعيد في مساره القادم إلى اجتناب الاصطدام بأبرز شركاء البلاد في الخارج، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين وضعا مستقبل الديمقراطية في تونس ضمن أبرز اهتماماتهما.
ستكون التطورات في الداخل والخارج إلى حد كبير رهينة استعداد سعيد للتوفيق بين إكراهات الواقع ورغباته السياسية. وقد أظهرت المستجدات الأخيرة نزوعا من طرفه إلى إدخال تحويرات على مواقفه تبعا لما تفرضه الظروف الموضوعية التي تواجهها البلاد.
يبقى السؤال المطروح هو هل أن هذه الظروف الموضوعية المرتبطة بواقع البلاد الصعب يمكن أن توجه سعيد نحو اعتماد مقاربات أكثر براغماتية من أجل مجابهة الأزمات الكثيرة التي تبحث عن حلول في تونس.
أسامة رمضاني هو رئيس تحرير ذي أرب ويكلي، وعمل سابقًا في الحكومة التونسية و في مناصب دبلوماسية في واشنطن.