أيا كان الفائز في الانتخابات التركية التي سيتم اجرائها في وقت لاحق هذا الشهر، فسوف يظل المستثمرون قلقين بشأن المسار الاقتصادي. فمع ارتفاع نسبة الفائدة في الغرب، يفقد المستثمرون العالميون شهيتهم بشأن استثمارات حوافظ الاوراق المالية في الأسواق الناشئة وتتعرض دول مثل تركيا والأرجنتين التي تعاني من التضخم وتزايد العجز في الحساب الجاري لمزيد من الضغوط مع انخفاض قيمة عملاتها. وينوء كاهل تركيا بالديون الخاصة قصيرة الأجل. كما انها موبوءة بقيادة سياسية مختلة عاجزة عن أداء مهامها. فمن بين كافة الاقتصادات الناشئة يبدو الاقتصاد التركي اكثرها هشاشة فمن المرجح أن يؤدي إعادة انتخاب رجب طيب أردوغان المتوقع في 24 يونيو إلى جعل الأمور أسوأ ما لم يغير اتجاهه بسرعة.

فالأمر ببساطة ان اردوغان يقبض بقبضة من حديد على السياسة المالية والبنك المركزي اذ يمتلك وجهات نظر غير تقليدية حول المحافظة على أسعار الفائدة المخفضة بالرغم من زيادة التضخم. ولا يجدي الامر انه محاط بالمتملقين الذين لا يستطيعون مواجهة السلطة بالحقيقة. وصدم اردوغان الشهر الماضي المستثمرين العالميين ابان زيارته للندن عندما تحدث عن مؤامرة عالمية تحاك لتركيا ورغبته في السيطرة على البنك المركزي عقب الانتخابات للإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة. وتاثرت الأسواق على الفور حيث انخفضت الليرة التركية أكثر من 10 في المئة في يوم واحد فقط.

ومع انخفاض ثقة المستهلك، ورحيل المستثمر الدولي عن تركيا، فإن احتمالات خسارة اردوغان للانتخابات واردة. فبعد كل شيء، اعتمدت معادلة الفوز لديه دائما على الأداء الاقتصادي. ففي الأسابيع القليلة الماضية، شارك المختصون في السيطرة على الأوضاع. فرفع البنك المركزي الفائدة 3 نقاط لتصل الى 16.5 %. ثم سافر وفد تركي مؤلف من وزير المالية ومحافظ البنك المركزي إلى لندن لتهدئة المستثمرين ووعدوا المستثمرين القلقين برفع سعر الفائدة في حال إذا استمر التضخم في الزيادة.

جاء الاختبار الفعلي للمصداقية في 3 يونيو عندما أصدر معهد الإحصاء التركي أرقام التضخم التي أظهرت زيادته بنسبة 1.6٪ عن الشهر السابق مما يعكس ان معدلات التضخم قد تصل الى 15% في 2018 في إشارة واضحة إلى أن أردوغان أدرك أنه لا يمكنه الفوز على خلاف إرادة السوق، وعلى مضض رفع البنك المركزي سعر الفائدة 1.25 نقطة إضافية في 7 يونيو. وفي الوقت الحالي، يبدو أن نزيف الليرة قد تباطأ. بيد انه لا يزال هناك إحساس بأن تشديد السياسة النقدية جاء “قليلًا ومتأخرًا جدًا” ليكون له تأثير كبير.

ويقودنا هذا إلى سيناريوهات الانتخابات التي يناقشها المراقبون والمستثمرون في تركيا عن كثب. فليس سرا ان السوق يحكمه القابلية للتنبؤ والاستقرار. غير انه في الآونة الأخيرة، لم يكن نوع القابلية للتنبؤ والاستقرار اللذين قدمهما أردوغان إيجابيين. لقد زاد التوتر الاقتصادي بسبب إصرار أردوغان على النمو المرتفع وانخفاض أسعار الفائدة. فقد كان من الممكن تجنب ذلك لو تم السماح للبنك المركزي بالعمل بشكل مستقل ورفع أسعار الفائدة في عام 2017.

ما يثير القلق في نظر المستثمرين هو فقدان الانضباط المالي. على الرغم من تزايد البطالة والدين، لا يزال أردوغان يتحدث عن مشاريع البنية التحتية الكبرى للحفاظ على قطاع البناء والتوظيف واقفا على قدميه. كما عمل على رفع شعبيته قبل الانتخابات عن طريق إصدار عفو ضريبي ورفع المعاشات التقاعدية لموظفي الدولة.

فالسوق بحاجه الى حكومة قوية تنخرط بسرعة في الإصلاحات الهيكلية التي تشتد الحاجة إليها مع خفض الإنفاق العام ورفع أسعار الفائدة. ولا يحظى مثل هذا التشديد المالي والنقدي بشعبية أبدا، اذ انه سوف يهدئ الاقتصاد ويسبب البطالة. قد يرحب السوق بفوز أردوغان إذا اعتقد أنه سينتقل في هذا الاتجاه ابان ولايته الجديدة من خلال رأس المال السياسي مما يعني أن أردوغان سوف يتعين عليه تغيير عادته في التدخل في سياسات البنك المركزي. وهنا تكمن المشكلة: فهو لن يتحمل تبعات سياسة التقشف لأنه من المقرر إجراء الانتخابات المحلية في مارس 2019 فالانكماش الاقتصادي قد يكلف أردوغان خسارة جميع المدن الكبرى.

السيناريو الآخر هو فوز أردوغان بالرئاسة مع خسارة حزب العدالة والتنمية لأغلبيته في البرلمان مما قد يترتب عليه انقسام في الحكومة. وسوف يدلي الناخبون بأصواتهم في انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة متزامنة في 24 يونيو. وتشير معظم استطلاعات الرأي الى هذا الاتجاه: فالتعايش بين أردوغان والسلطة التشريعية سيوفر الضوابط والتوازنات اللازمة للتنافس على المنصب الرئاسي، اذ ان حدوث مأزق سياسي قد يؤثر على السوق والمستثمرين الذين يتوقعون اتخاذ إجراء حاسم.

في ظل هذا السيناريو، فعلى أردوغان الانتظار حتى مارس 2019 عندما يتم تحديد موعد الانتخابات المحلية ومن ثم يدعو مرة أخرى لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة. فوفقاً للتعديلات الدستورية الأخيرة، يتعين إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في وقت واحد.

السيناريو الثالث وهو فوز المعارضة: خسارة أردوغان الرئاسة والأغلبية البرلمانية. مرشح المعارضة الرئيسي للرئاسة، محرم اينس، وهو من حزب الشعب الجمهوري يسار الوسط. فحتى مع فوز اينس سوف يتعين على حزبه السعي الى الدخول في تحالف مع حزبين صغيرين ذو نزعات قومية تركية وكردية قومية، للحصول على الأغلبية في البرلمان. فالسوق يفتقد الى فكرة واضحة عما يمكن توقعه من فوز المعارضة بالنظر إلى الطبيعة الانتقائية لهذا التحالف البرلماني. فقد لا يكون تحالف الأحزاب الغريبة في البرلمان والاسم الذي لم يتم اختباره بعد في الرئاسة سبباً جيداً في اتخاذ الإجراءات الحاسمة والاصلاحات الهيكلية التي تزداد الحاجة إليها. فإنس خطيب مفوه لكنه يفتقر الى الموهبة فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية.

وباختصار، من بين هذه السيناريوهات الثلاثة، يتطلع السوق الى فوز أردوغان بولاية جديدة للتصرف بسرعة مع أجندة إصلاحية مقترنة بسياسة حكومية رامية إلى خفض الإنفاق. هذا وتشير معظم استطلاعات الرأي إلى اتجاه السيناريو الثاني: التعايش بين أردوغان رئيسًا وبرلمانً تهيمن عليه المعارضة الانتقائية التي يقودها حزب الشعب الجمهوري ومجموعة من القوميين الأتراك والأكراد. ويظهر السيناريو الثالث لانتصار المعارضة على أردوغان أن الديمقراطية التركية لا تزال تنبض بالحياة ولكنها تطرح اسئلة أكثر من الإجابات فيما يتعلق بالاقتصاد.

أيا كان ما سوف تسفر عنه الانتخابات، فإن شيء واحد سيظل مؤكدا: عدم اليقين بشأن الاتجاه الاقتصادي لتركيا.

AFP PHOTO / OZAN KOSE

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Get our newest articles instantly!

Thank you! Your coupon code will be sent to your email once your details are verified.

Unlock Your 50% Discount!

Choose your status: